فهرس الكتاب

الصفحة 351 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع9 /مارس 1958 ص 17

4 -وأنه لا يوجد مثال واحد على أن أحدا منهم غير ولو قيد شعر في بيانه إلا شيء واحد هو الذي يقوله ويدعو إليه كل واحد منهم، منذ بداية دعواه إلى آخر نفس في حياته.

5 -وأن سيرهم وأخلاقهم في منتهى الطهارة والزكاء، ولا يشوبها أدنى شائبة من الكذب والخديعة والغش والباطل، ولا ثمة ما يبيح أن يرموا بالتآمر على الكذب في هذه القضية خاصة، مع كونهم صادقين أمناء في سائر شؤون الحياة وقضاياها.

6 -وأنه ليس هناك من شيء يدل على كونهم يقصدون بدعواهم منفعة شخصية، بل من الثابت في أمرهم على العكس من ذلك، إن أكثرهم لأجل هذه الدعوى قد تحملوا مصائب شديدة، وآلاما تقشعر من سماعها الجلود، فقد أوذوا وضربوا والقوا في غياهب السجون وأخرجوا من ديارهم حتى لقد نشر بعضهم شفين. ولم يتح إلا لعدد معدود منهم أن يعيشوا عيشة الرغد والرفاه. فمن المستحيل قطعا أن يرموا بالعمل لأغراضهم الذاتية، بل الذي يدل عليه ثيابهم على دعواهم في مثل هذه الأحوال، ومع هذه الآلام والشدائد، إنهم على يقين تام من صدقهم، حيث لم يقلع أحد منهم عن دعواه خوفا على نفسه.

7 -وأنه لا ثبوت البتة لكونهم مصابين بالجنون أو الاختلال في عقولهم، بل أنهم معروفون بسلامة العقل، وتوقد الذهن، ونفاذ البصيرة، وحصانة الرأي في كل شأن من شؤون الحياة، حتى للقد اعترف لهم بذلك أعداؤهم ومخاصموهم أنفسهم. فكيف يصح إذن أن يكونوا قد أصيبوا بالجنون في هذه القضية خاصة؟ وفي أية قضية؟ ...

في قضية لا يحيون إلا بها ولا يموتون إلا عليها ... قضية قد عرضوا أنفسهم من أجلها لعداوة الدنيا كلها وظلوا يحاربون عليها إلى سنوات متتابعة ...

قضية هي أصل الأصول لكل ما لهم من التعاليم السامية التي يعترف بمعقوليتها كثير من المكذبين أنفسهم.

8 -وأنهم ما قالوا للناس أصلا: أننا قادرون على أن نجمعكم بالمهندس أو نريكم معمله الخافي أو نثبت لكم دعوانا بالتجربة والمشاهدة، بل هم أنفسهم يعبرون عن كل ذلك بكلمة «الغيب» ، ويقولون للناس: آمنوا بما نخبركم به معتمدين علينا.

وها هي ذي محكمة العقل تصدر حكمها بعد الاستماع إلى بيانات الخصمين قد شاهد المظاهر والآثار، وحاول الكشف عن أسبابها وعللها الباطنة، وقدم ماله في بابها من النظريات والأفكار.

في بادئ النظر لا فرق البتة بين كل هذه النظريات والأفكار باعتبار:

أولا:- أن ليست في أحدها الاستحالة العقلية، أي لا يجوز أن يقال عن أية نظرية منها - بموجب القوانين العقلية - أنها مستحيلة الصحة.

ثانيا - أنه لا يمكن أن تثبت صحة احدها بالتجربة أو المشاهدة، فلا تستطيع طائفة من الفريق الأول، أن تثبت نظرياتها ثبوتا علميا يرغم كل إنسان على أن يوقن بصحتها، ولا ذلك مما يستطيعه الفريق الثاني أو يدعيه.

ولكننا إذا أمعنا النظر في القضية بمزيد من البحث والتحقيق، ظهرت لنا عدة أمور يجوز القول على أساسها بأن نظرية الفريق الثاني أرجح النظريات وأقربها إلى الصحة.

أولا: لأنه لم يؤيد نظرية غيرها مثل هذا العدد العظيم من العقلاء طاهري السيرة صادقي القول بمثل هذه القوة والثقة واليقين والإيمان وعلى اتفاق كامل بينهم.

ثانيا: لأن اتفاقهم جميعا في مختلف الأزمات والأماكن على دعوى أن عندهم وسيلة غير عادية للعمل، وأنهم بهذه الوسيلة قد أدركوا الأسباب الباطنة للمظاهر الخارجية، يميل بنا إلى تصديق دعواهم، ولا سيما لأنه لا اختلاف البتة في بياناتهم عن معلوماتهم، كما أنه ليس في بياناتهم هذه شيء من الاستحالة العقلية، وليس من المستحيل - على أساس القوانين العقلية - أن توجد في عدد من الناس قوى غير عادية لا توجد في غيرهم.

ثالثا: لأن أغلب - إذا تأملنا في المظاهر الخارجية - أن تكون نظرية الفريق الثاني هي الصحيحة. وذلك أن ليست الشموس والمراوح والحافلات والمعامل تضيء أو تتحرك بنفسها، لأنه لو كان الأمر كذلك، لكانت هي نفسها قادرة على الضوء والحركة، مع أنه لا يقول بذلك أحد. وكذلك لا يمكن أن يكون ضوؤها وحركتها نتيجة لتركيب مادتها الجسدية، لأنها عندما تضيء أو تتحرك، لا يزال تركيب مادتها هو التركيب لأجسادها. وكذلك لا يصح أن تكون هي تابعة للقوى المختلفة المتفرعة لأنه عندما لا تكون الضوء في الشموس، تكون المراوح

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت