فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
والابتكار والتجديد، وكل من حاد عن سكتهم رموه بالكفر والإلحاد واضطهدوه، وكثيرا ما يؤول أمره إلى التعذيب والقتل.
وهكذا، ماتت شيئا فشيئا الحريات النسبية التي كان يتمتع بها رجال العلم والقلم في إبان نهضة الأمم العربية والإسلامية، وقد امتدت هذه الموجة من الانحطاط والتدهور إلى المغرب، فجفت به الأقلام إلا من النسخ والتنميق والتزويق، ونامت القرائح إلا عن حفظ بعض المتون والنصوص القديمة.
فتخلف المغرب داخل، إذن، في نطاق تخلف العالم الإسلامي، متصل بحركته التطورية بين مد وجزر، ورقي وانحطاط.
وهذا التخلف الذي يشخصه الجمود الفكري في أبرز مظاهره، ما هو إلا الثمرة المرة لتدهور المجتمع العربي الإسلامي ونزوله نحو نظام جامد محافظ معاد بطبعه وفلسفته لكل تجديد وابتكار.
وقد بدأ المجتمع الإسلامي كمجتمع ثوري يريد أن يتخلص من كل عوامل الفساد والظلم ويريد أن يضمن للإنسان كرامته وبعض حقوقه، فأخرج البدو الرحل من باديتهم وعلمهم كيف يصيرون حضرا ويؤسسون مدنية امتزج فيها كل التراث الحضاري للإنسانية، وبعث فيهم الشعور بأنهم أمة بعد أن كانوا لا يؤمنون إلا بالقبيلة، واستطاع نوعا ما أن يخلق المساواة بين الناس ويحاول القضاء على نظام الطبقات.
هذه القوة الثورية هي التي مكنت الدولة العربية من بناء مدنية طريقة كاملة تقدمت فيها الآداب والعلوم والصناعات وأنواع التجارة.
ولكن، ما مرت قرون حتى بدأ هذا المجتمع يفقد عوامل قوته، وينسلخ رويد رويدا، تحت ضغط القوات الإقطاعية والفوضوية التي نبعت في كل أركان العالم الغربي، من روحه الثورية المتحررة، وهكذا، تمزقت وحدة ذلك العالم، وتقسم إلى دويلات وإمارات صغيرة تعيش فيما بينها في صراع دائم.
وجاءت حوادث التاريخ الكبرى مثل غارة المغول في الشرق، وضعف الدولة العربية في الأندلس، فأجهزت على البقية الباقية من تلك الروح المتوثبة للحياة، وغدا المجتمع العربي، سواء في المغرب أو في غيره، يعيش قي نظام جديد مخالف في روحه وشكله لما كان عليه في الأول.
هذا النظام الصفة الغالبة عليه هي التفكك والانحلال، فمن جهة، نجد في البد الواحد مناطق تسود فيها الإقطاعية بكل أشكالها، ومناطق أخرى تستفحل فيها الروح القبلية ووسط الجميع مدن وحواضر تعيش في شبه انعزال مع الأرياف المجاورة، ويكاد يتحول هذا الانعزال في بعض الأحيان إلى عداوة، ومن جهة أخرى، نجد في نفس البلد السلطة المركزية عاجزة عن بسط نفوذها على مجموع التراب وذلك نتيجة لما أصيبت به من ضعف وقلة رأي وانعدام وسائل، والذي زاد هذا المجتمع رسوخا في تدهوره هو النظام الاقتصادي الذي عاد إلى نوع من البساطة البدائية وأصبح أثر الدولة ضعيفا في توجيه وتنظيمه، فهو، في معظمه، يستند على الفلاحة بشكلها الإقطاعي سواء في الزراعة أو تربية المواشي، أما الصناعات فقد ظلت تسير على نسق عتيق ولم تستفد قط من المكاسب العلمية التي ظهرت في أروبا، ولهذا فقد كان شأنها ضعيفا مما جعل الغلبة كل الغلبة للجانب الفلاحي، وهذا ما قد يفسر لنا، ولو جزئيا، غلبة النزعة المحافظة في ذلك المجتمع.
روح الماضي وتيار التجديد:
هذه الصورة عن المجتمع كنا نجدها في المغرب إلى بداية هذا القرن، ونحن لو انتقلنا إلى سبعة قرون من قبل أي نهاية دولة الموحدين، سنجد أنفسنا أمام نسخة طبق الأصل لتلك الصورة، بمعنى أن الانحلال الاجتماعي ظل سائدا طوال تلك المدة، وهذا رغما عن بعض الفترات التي كانت الدولة تستعيد فيها شيئا من قوتها.
والحقيقة أن هذا النظام ما كان ليدوم عمره طويلا لولا أن الأبواب ظلت موصدة كلها أمام التأثيرات الآتية من الخارج، ولولا نشوء عقلية محافظة أشد ما تكون المحافظة، متعصبة أقوى ما يكون التعصب ضد كل ما يمثل الحضارة الأروبية، فقد كان الحجاب مفروضا على المجتمع كما كان مفروضا على المرأة، فهو نظام ضعيف مزعزع الأركان لا يثبت للحوادث ولا يصمد أمام عوادي الزمان.