فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وهذا ما قام عليه البرهان لما أخذ الاستعمار يغزو بلادنا، ويستولي عليها جزءا جزءا، فسرعان ما انهار ذلك النظام وأدرك المغاربة بالتجربة والعيان أنه لا يغني عنهم شيئا لما دهمتهم الخطوب، وبانهيار ذلك النظام بدأت تنهار معه العقلية الناشئة عنه.
وأخذنا نكتشف يوما بعد يوم آيات جديدة للتفاوت الكبير بين ضعفنا وقوة الخصم، بين جهلنا وعلمه، بين فوضويتنا وروحه التنظيمية، واقتنعنا بأن لابد من أن نتعلم عليه ونقتبس منه إن كنا نريد النهوض ببلادنا.
ولكن هذا الخصم الذي نريد آن نستفيد من معرفه وخبرته هو في نفس الوقت الخصم الذي يستعمرنا ويستغلنا والذي نريد أن نناهضه ونكافح ضده.
وهذا ما نشأ عنه رد فعل أدى إلى تناقض في موقفنا الجماعي، فنحن، من جهة، مقتنعون، عن طريق التجربة والمعاينة، بأن نظامنا الاجتماعي العتيق والعقلية الناشئة عنه قد أفلسا كل الإفلاس ولم يعودا صالحين لأمة تريد أن تعيش حياة العصر، ولكننا، من جهة أخرى، وجدنا أنفسنا مضطرين للدفاع عن كياننا وشخصيتنا القومية أمام الاستعمار، مما دفع بنا على التمسك بذلك بماضينا وتقاليدنا، ومعنى هذا أن الشعور الوطني هو الذي حدا بنا إلى التعلق ولو عاطفيا ونظرنا بالماضي وما ينطوي عليه من أفكار ومثل وعقلية.
بحيث أن مجتمعنا اليوم يتصادم فيه تياران: تيار عقلي علمي يرى في التجدي ضرورة حيوية، وفي التحرر من تأثير الماضي ورواسبه والاتجاه كليا نحو المستقبل الوسيلة الكفيلة وحدها بتحقيق نهضة شاملة، وتيار عاطفي يرتكز على الماضي وأمجاده ويستخرج منه المقاييس والأمثلة لأعمالنا في اليوم والغد، فالتيار الأول يجذبنا نحو التجديد ويدعونا إلى الجرأة على ماضينا والتمر عليه في حدود المعقول، بينما التيار الثاني يريد أن ينحو بنا نحو مجتمع محافظ منطو على نفسه وماضيه ويرى البدعة المضرة في كل محالة إصلاح وتغيير.
فأي التيارين له الغلبة الآن؟
يظهر أن كل واحد منها له الغلبة في ناحية معينة، فإذا اعتبرنا الحياة الواقعية العملية، نجد أن الحضارة العصرية فرفضت نفسها فرضا على الجميع ولم يبق هنالك ما يناوئها، وأكبر المجادلين في تلك الحضارة والمستنكرين لها لا يتورعون عن الاستفادة من وسائل رفاهيتها ومخترعاتها، فيركبون السيارة وينصتون إلى الراديو ويتفرجون على الأفلام السينمائية.
ولكننا إذا اعتبرنا الحياة الفكرية مجردة، نجد أن تيار الماضي لا زال له الأثر القوي البالغ في توجيه أفكارنا وتكييف عقليتنا ومفاهيمنا، وهذا ما يجعلنا نشعر في أوقات الوعي واليقظة بأننا نعيش في ركود.
والحقيقة أن هذا الوضع إنما هو موقت، فلن يطول أمد هذا التناقض بين حياتنا الواقعية العملية وحياتنا العقلية، فلابد من أن يتغلب في النهاية الواقع على الخيال والجديد على القديم، تبعا لقوانين التطور سننه.
الركود الفكري:
هذا الركود الفكري نلمس أول ما نلمسه في حياتنا الاجتماعية العادية التي هي في الحقيقة المرآة الصادقة لمستوانا العقلي، وفي هذا النطاق الجماعي العادي يصبح الركود الفكري عيبا قوميا ينال من كيان الأمة وقوتها، لأنه يتجلى في سائر فروع الإنتاج الذي يعبر عن حيويتها ونشاطها ولا ينحصر في دائرة الأدب والعلم والفلسفة أي دائرة الثقافة، فهو يتجلى في إنتاج الصانع وفي ألحان الموسيقار كما يظهر في اللباس والمأكل.
ولننظر مثلا إلى هندستنا المعمارية، فالتاريخ، يهد على أنها لم تتغير عما كانت عليه في الأندلس منذ قرون عديدة، وصناعتنا التقليدية لم تخرج عن نماذج وضعت لها منذ أجيال، والموسيقى التي نعيش عليها هي تراث تلقيناه من الأندلس، وكان كل فضلنا هو الاحتفاظ به.
فإذا انتقلنا الآن إلى ميدان الثقافة بمعناها الضيق، بتشخيص لنا الركود الفكري في الحرب التي أشهرها أجدادنا على كل جديد وابتكار، لقد أقفلوا أبواب الاجتهاد أمام المتأخرين من العلماء والباحثين