فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ورموا بالكفر كل من حاول الاستعانة بعلم الأوربيين أو بأساليبهم التقنية، بحيث كنا نعيش ونحن أقرب الناس جغرافيا إلى أروبا وهم في واد ونحن في واد، فلا نستفيد من عملهم ولا من فنونهم الصناعية ولا من أساليبهم الحربية.
حقا، لقد استيقظنا الآن وتغيرت نظرتنا إلى الأشياء وأخذنا تقلع بعض الشيء عن عبادة الماضي ونتجه بأنظارنا نحو المستقبل، عملا بقول الرصافي:
فخير العالمين ذوو حب قديم أقاموا لنفسهم حسبا جديدا
ولكن، هل معنى هذا أننا تحررنا من الركود الفكري؟ إنه ليس من السهل تغيير العادات التي رسخت منذ قرون وتحويل عقلية اشتركت في تكوينها أجيال وأجيال.
فكتابتنا اليوم، مثلا، لا زالت متأثرة بتلك العقلية، وأكثر من يكتبون يؤثرون المواضيع التاريخية على غيرها، فالماضي ما فتئ يستحوذ على أفكار الناس ولا زالوا يحبون الحياة معه وفي جوه ويغرمون باستعراض صوره اللامعة والوقوف بإجلال وخشوع عند عظمائه.
ونحن عندما نسجل هذه الظاهرة بكل موضوعية، لا نتنكر لماضينا ولا ننكر ما فيه من صفحات مشرقة مشرفة، ولا يخطر ببالنا أن نعتب على أي أحد انصرافه إلى التاريخ واشتغاله به، بل نود أن يكون لدينا مؤرخون جديرون بهذا الاسم.
ومن ذلك فلابد من أن نلاحظ أن نسبة الجهود التي نصرفها في سبيل الماضي هي أكثر مما يجب ونظرة واحدة على المجلات التي صدرت بالمغرب في السنوات العشرين الأخيرة تبين لنا كم يشغله التاريخ من صفحات وصفحات بينما شؤوننا الحالية ومشاكل مستقبلنا تظل في الغالب مهملة أو منسية، وكذلك الكتب التي لها قيمة وأهمية، فجلها عن التاريخ والتراجم والسير.
ينبني على ما تقدم أن سلم القيم الفكرية والروحية عندنا ليس له أساس منطقي واقعي يتلاءم وحاجياتنا الأولى وضرورات تطورنا، وإنما يستند على أساس عاطفي، نحن نعلم علم اليقين مقدار حاجيتنا إلى التجديد والتطور، ومع ذلك، فنحن نضع في قمة هذا السلم الماضي، لأن حبنا له يتغلب على ما سواه.
الحرية بين ضغط المجتمع وضغط الاستعمار:
إذا اعتبرنا أن الشرط الأساسي والضروري لكل نشاط فكري هو الحرية قبل كل شيء، فقد رأينا في الصفحات السالفة كيف أن روح الماضي حد من الحرية في بلادنا وضيق المجال أمام كل رواد التجديد ودعاة النهوض والانبعاث، وأنه لمن الطبيعي أن يقع مثل هذا التصادم والتفاعل بين الماضي والحاضر، وبين التقاليد والحرية، وبين الجيل القديم والجديد، فتلك أحداث لا ينكرها علم الاجتماع، بل إنه يعتبرها حلقة ضرورية من حلقات التطور التاريخي.
بيد أنه انضاف إلى جانب أثر الماضي في كبت الحريات، تأثير آخر ناشئ عن الاستعمار، إلا أن تأثير الاستعمار كان تأثيرا مقصودا منظما يهدف إلى تمكين حكم، وصيانة مصالح، وهكذا، فقد عدمت الحياة الفكرية انطلاقتها طول مدة الحماية، مما ضاعف الفراغ الفكرية في البلاد وثبط كل عزيمة ساعية للإنشاء والخلق والابتكار.
وبالجملة، فقد كانت الحريات التي هي الشرط الأساسي لكل تجديد وابتكار، مكبوتة بين التأثيرات الآتية من النظام الاجتماعي وضغط الحكم الاستعماري.
ونحن لو سلمنا جدلا بأن مشكلة الحرية لم تكن موضوعة وأنه كان من الممكن أن يتقدم أفراد من هذا المجتمع ليعلنوا الدعوة إلى التجديد، فإن هذا وحده غير قادر على تحويل فتورنا الفكري إلى قوة وحيوية، فالحرية شرط ضروري ولكنه غير كاف، فهنالك مسألة المناخ الاجتماعي الذي يعيش فيه المفكر والكاتب، فالفرد مهما كان حظه من العبقرية والنبوغ، إذا اصطدم بواقع اجتماعي معاكس لطموحه، مميت لقريحته، فإنه لن يستطيع الصمود مدة طويلة، وسرعان ما يتسرب إليه الركود العام.