فهرس الكتاب

الصفحة 3575 من 5287

حيرة الكاتب وعزلته:

والأوفق للحقيقة أن تقول أن رجل الفكر في هذه البلاد يعاني حيرة دائمة لا يجد سبيلا للخروج منها، فهو أمام المتناقضات التي يعيش وسطها لا يستطيع أن يوفق بين ما يهديه إليه العقل والمنطق وبين الواقع الذي يحيط به، بين ما يراه كمثل أعلى وبين عقلية مجتمعه، وهو واقف وسط الطريق لا يدري أياخذ برأي المعتدلين والمحافظين الذين لا يقبلون التطور إلا بمقدار وفي نطاق محدد أم ينساق مع تيار التجديد، فيوجه عنايته إلى المستقبل ويقبل على الحضارة الغربية بدون تحفظ ليفهمها ويهضمها ويأخذ منها الأمثلة.

فإن قيل له يجب التوفيق بين الاثنين، ازدادت حيرته وكثر بلباله، فماذا يأخذ من هذا ويترك، وماذا يقتبس من تلك وينبذ، فالمقاييس في هذا الباب تكثر وتختلف.

على أن المشكلة ليست موضوعة فقط بهذه الصورة المجردة البسيطة، بل إن الكاتب حين يكتب يصادفها بطريقه مباشرة وبصورة أعنف، فأي الجمهورين من القراء سيخاطب؟ جمهور الذي لم تتجاوز ثقافتهم الجاحظ والمتنبي والحريري والمنفلوطي والرافعي؟ أم جمهور الذين ألفوا أن يقرأوا «فولكنر» و «بريشت» والذين قلما يجدون في الإنتاج الأدبي باللغة العربية غذاء لفكرهم؟ فالتنافر بين هذين الجمهورين لا يزيده إلا حيرة وترددا.

وقد كان من الممكن أن يجد نفسه عزاء لو استطاع أن يضرب صفحا عن طبقة المثقفين بنوعيها القديم والحديث ليتجه نحو الجمهور بمعناه الواسع أي جمهور الشعب، فيكتب له بالأسلوب الذي يفهمه ويؤلف له الروايات والمسرحيات وما إلى ذلك، ولكن، في هذه الناحية أيضا، يتجنى عليه الحظ.

ذلك أنه لم يوجد بعد عندنا الجمهور الشعبي الذي يقرأ ويقتني الكتب والمجلات، ولم تتهيأ الظروف الكفيلة بإيجاده، فانتشار التعليم وتعميمه لا يزال عندنا في البداية، ومن المعلوم أن الاستعمار عمل على أن يكون التعليم من حظ أقلية صغرى، فكيف ينتظر لكاتب، مهما جادت كتابته وراقت، أن يصادف ما هو جدير به من نجاح لدى جمهور أمي؟.

إلا أننا سنكون غير منصفين إذا ألقينا المسؤولية كلها على الجمهور، فالكاتب من جهته يتحمل نصيبا من المسؤولية، أنه، أولا، لا يظهر استعدادا كافيا للنزول نحو الجمهور والتعرف إليه ومخالطته والإطلاع على واقعه، ولعله لازال متأثرا بتلك العقلية الاستوقراطية التي توحي إليه بأن الكاتب إنما يكتب لطائفة خاصة من الناس، هم الطبقة الراقية في المجتمع، أو لعله يعتقد أن الحقيقة لا يمكن أن تنبثق في فكره إلا إذا انزوى في برج عاجي بعيدا عن ضوضاء الناس وجلبتهم.

وسواء كان هذا أو ذاك، فالذين يجب اعتباره هو أن الحقائق الإنسانية التي هي هدف كل تفكير، لا يمكن إدراكها بهذه الطرق، ولا سبيل للحصول عليها إلا إذا خالط الكاتب مجتمعه مخالطة صادقة لا غش فيها، وعرفه المعرفة الشاملة الواسعة، وليس من الممكن أن يتنج الكاتب تفكيرا حيا إذا لم يستمد عناصره من واقع الحياة ويعيش مع الأحياء ويؤاخيهم حقيقة، ويقاسمهم سراءهم وضراءهم، وأي فائدة ينطوي عليها تفكيره أن خص به أقلية من الناس؟ وأي معنى يبقى لمهمته الاجتماعية والإنسانية إذا وضع نفسه في خدمة طبقة معينة.

ولربما كان الكاتب عندنا لا يأخذ هذا الموقف عن تعمد واختيار، وإنما يلجأ إليه انسياقا مع العادات والأفكار الموروثة وخوفا من أن يخرج عن المألوف فينعت بالشذوذ والتطرف.

ومهما يكن، فإن الوضعية التي يوجد فيها والتي رأينا بعض جوانبها تجعله يعيش في عزلة خطيرة، فهو لا يجد محله المعين في المجتمع ويشعر بأنه مثل الطفيلي لا يكاد يجد مكانه وشط الناس إلا بمشقة، فلا جمهور خاص يقبله ويقبل عليه، ولا جمهور شعبي يتجاوب معه، ولا سهولة في الاتصال بالمجتمع والاندماج فيه.

دور دولة:

وقد كلن من السهل عليه أن يتقبل وحدانيته بصبر لو أنه وجد التفاتا كافيا من الدولة وعطفا فعالا، ومن شأن الدولة أن تتدارك النقص الآتي من المجتمع، ولكن حظه عاثر هنا أيضا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت