فهرس الكتاب

الصفحة 3577 من 5287

البعد، إذ ليس من الميسور علينا أن نمحو في سنوات قليلة الآثار العميقة التي خلفتها في نفوسنا وفي مجتمعنا عوامل دامت عدة قرون، فلا بد لسنن التطور من أن تجري مجراها.

ومع ذلك، ففي طوقنا نحن أن نساعد هذا التطور على السير بسرعة حتى لا يطول بنا أمد هذه المرحلة، مرحلة الركود الفكري.

وقد رأينا منذ البداية أن الداء يأتي من النظام الاجتماعي الذي ساد في المغرب منذ قرون، فالعمل الأول، إذن، هو السعي لتغيير هذا النظام بالسرعة الممكنة، وقد أخذ يتغير، بالفعل، إذ نرى مجتمعنا الفلاحي يتحول شيئا فشيئا نحو مجتمع مرتكز قبل كل شيء على الصناعة.

وغير خاف ما يصاحب هذا التحول من تغير في العقلية وانقلاب في الأفكار وتقدم في ميادين الثقافة والعلم، فالصناعة تتطلب وجود إطار تقني يتوفر على المعرفة والمهارة، وهذا لا يكون إلا إذا نما التعليم، وخاصة فروعه العلمية والتقنية، وانتشر على نطاق واسع وبلغ مستوى رفيعا.

فالمسألة تنحصر، إذن، في الإسراع بخلق مجتمع صناعي وذلك بتأسيس الصناعات على اختلاف أشكالها وأنواعها، وهو عمل يجب أن تساهم فيه الدولة بأوفر نصيب.

ناهيك بما سيكون لانتشار التعليم من تكوين جمهور ضخم من القراء يمتاز بوعي وإدراك ويشعر بالحاجة إلى المزيد من الإطلاع، والتعليم، حسب قيمته وجودته واتجاهاته هو الذي سيرتفع أو ينخفض بمستوى التفكير الجماعي، وما علينا إلا أن نستعرض بعض الأقطار الأروبية لنرى كيف بتفاوت فيها مستوى التفكير الشعبي وهذا التفاوت يرجع إلى روح التعليم ومحتواه وقيمته في كل قطر من تلك الأقطار.

على أن للدولة إلى جانب هذا وذاك وسائل أخرى للنهوض بالحياة الثقافية، وذلك بتأسيس المكاتب العمومية على نطاق واسع وأحداث المجامع العلمية والأدبية وعقد المؤتمرات، وبذل الجوائز للنبغاء ومساعدتهم على نشر آثارهم.

فالدولة كما رأينا لها أهم دور في معالجة هذا الوضع، لكن رجال الفكر والقلم لا يجدر بهم أن يقفوا مكتوفي الأيدي منتظرين المبادرات الرسمية، فلابد من أن يبرهنوا على وجودهم وعلى شعورهم بمهمتهم إزاء المجتمع.

فمن واجبهم، قبل كل شيء، أن يتصلوا ببعضهم ويتعارفوا ويتضامنوا وينبذوا ظهريا ذلك التحاسد العقيم وتلك الغيرة الصبيانية التي تجعلهم يعيشون جنبا دون أن يلتفتوا إلى بعضهم ويجروا الحديث البسيط الواضح الصريح الذي يجب أن يسود دائما في وسطهم.

ومن واجبهم أن يؤسسوا الأندية التي تكون ملتقى للأفكار ومسرحا للمناقشات الحية، وأن يحاولوا إصدار المجلات وتنظيم المحاضرات في شتى المواضيع وتشكيل لجان لتعريب والتأليف والنشر، والمحاولات في هذا الباب لا يمكن أن تدخل تحت الحصر.

تلك بعض الوسائل الناجعة في معالجة ركودنا الفكري بأسرع الطرق، وقد رأينا أن العوامل التي أدت بنا إلى الوضع الحالي لبست اليسيرة ولا بالسطحية، بل أن لها صبغة تاريخية عميقة تتصل بنظامها الاجتماعي وبنفسيتنا الموروثة، وليس من المعقول أن تظل أمة كأمتنا متخلفة عن الركب متنكبة جادة اليقظة الفكرية، ففي مثل هذا الموقف استهتار بكل منطق واستخفاف بكل مصلحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت