فهرس الكتاب

الصفحة 3582 من 5287

إن الثقافة في أمة يجب أن تستند على أساس متين هو «لغتها القومية» المنحدرة معها منذ فجر تاريخها، لأن اللغة القومية للأمة ليست وسيلة للتعبير والتفاهم فحسب، بل هي شحنات من عواطفها وروحانياتها، إنها في مفرداتها وتراكيبها عقلها المفكر، ووجدانها الشاعر، وكيانها المتماسك، إن الكلمات والجمل «المغرب، الوطن، الراية المغربية، الأمة العربية، محمد الخامس، الحسن الثاني، الأم، الحرية، الاستقلال، الأندلس، طارق بن زياد» ، في لغتها ومعانيها تحمل إشعاعات وشحنات روحية خاصة بالنسبة للمغاربة لا أعتقد أنها تحملها إليهم في ترجمتها الأمينة للغات الفرنسية أو الإنجليزية أو الاسبانية، كما لا تحملها إلى الفرنسيين أو الإنجليز أو الاسبان قراءة هذه الكلمات أو الجمل في نصها العربي ومن أراد التأكد من صدق هذه النظرية فليراجعها في كتاب «اللغة» لفندريس، وفي كتاب «من بلاغة القرآن» لأحمد أحمد بدوي.

وكم أثلج الصدر أن جاء القانون الأساسي الذي وضعته حكومة جلالة الحسن الثاني أثر اعتلائه العرش ناصا على أن دين المغرب الرسمي هو الإسلام، ولغته الرسمية هي العربية، فأصبح على المسؤولين والشعب منذ تلك اللحظة أن يجعلوا من ذلك حقيقة واقعة، وظاهرة ملموسة، بواسطة سن المناهج الموصلة إلى ذلك وتطبيقها.

وإذا كان التعليم قد قطع في هذا الميدان مرحلة نوهنا بها في مكانها من هذا الحديث بصفة إجمالية فإني أعتقد أن من الواجب -وأنا بصدد تقديم اقتراحات لإنعاش الثقافي بالمغرب- أن أعود فأنظر إلى مسألة «الثقافة في المغرب» ككل يتكون من أجزاء أهمها «التعليم» ، وإن أصنف ملاحظاتي واقتراحاتي حول إصلاح الأساس الذي هو التعليم على الشكل الآتي: معتمدا عدم التعرض للميادين الثقافية الأخرى لعدم اتصالي المباشر بها، وقلة معلوماتي عنها:

1 -المرحلة الابتدائية- يجب أن يراعى في اختيار معلميها «الكفاءة العلمية والتربوية» لكون هذه المرحلة بالذات هي الأساس الذي تنبني عليه ثقافة الجيل، ومن ثم وجب أن تضمن «العافية» لهذه الثقافة عن طريق اختيار المعلم المكتمل وذلك هو الشأن في جميع البلاد الواعية اليوم، كما يجب ألا يراعى ذلك في ناحية دون أخرى بالمغرب، وأن يشمل ذلك الحواضر والبوادي على السواء ويجب أن تزود مدارس هذه المرحلة -ومدارس المرحلة الثانوية أيضا- بالخرائط والرسوم التوضيحية والمكتبات الغنية بكتب الأطفال، لكون ذلك ضروريا جدا لها كي تفلح في أداء مهمتهما، كما يجب أن يقتصر في هذه المرحلة على تعليم لغة واحدة هي اللغة العربية القومية لما ثبت من أن قدرات التلاميذ في هذه المرحلة لا تحتمل الإرهاق بتعلم لغة أخرى لها نحوها وصرفها ومشاكلها الخاصة، وعلى هذا النهج تسير أغلب الدول اليوم بما فيها سويسرة التي لها ثلاث لغات رسمية، ولكنها تقتصر في المرحلة الابتدائية على تعليم أبنائها لغة واحدة منها فقط، ومن أراد زيادة بيان حول هذا الموضوع فليراجع الجزء الثالث من حوليات الثقافة العربية للأستاذ ساطع الحصري، في الفصل الذي كتبه حول «تعليم اللغات الأجنبية» أو مقالا لي في نفس الموضوع بأحد أعداد السنة الثالثة من مجلة «دعوى الحق» على ما أذكر.

2 -المرحلة الثانية- أرى أن تزود «الثانويات» بالأساتذة الأكفاء أولا وقبل كل شيء وهذا يقتضي في نظري إدخال تعديل جوهري على الإطار العام لأساتذة في سلك الوظيفة العمومية، إذ من الواقع المر ما يلاحظ من كون الأساتذة حاملي الشهادات الجامعية «المجازين» بسلك التعليم يتقاضون أجورا أقل مما يتقاضاه حاملو نفس المؤهل في الوزارات الأخرى، الأمر الذي يجعل الغالبية العظمى من خريجي الجامعات يتجنبون الاشتغال في ميدان التعليم، مؤثرين عليه العمل في ميدان آخر أكثر سخاء، وأقل تكليفا للجهود المضنية التي يعانيها الأستاذ من أجل تحضير الدروس، وتصحيح الواجبات المدرسية، وقيادة التلاميذ على اختلاف سلوكهم وأهوائهم. يضاف إلى هذا أن الذين قدر لهم منهم العمل بسلك التعليم الثانوي يعانون حالة نفسية ممرضة، الأمر الذي سيدفعهم -عاجلا أو آجلا- إلى الفتور في القيام بمهمتهم بدافع شعوري محض ليس لهم عليه أي راد إلا من عصم الله!

كما أرى أن تزود «الثانويات» بالخرائط ووسائل الإيضاح، وبالمكتبات الغنية بالكتب التي تناسب هذا الطور من سني التلاميذ وخصوصا العربية منها، وألا يهمل عند بناء «الثانويات» تزويدها بقاعة صالحة للعرض السينمائي والمحاضرات، والاجتماعات العامة وأن تطبق فكرة إنشاء «جمعية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت