فهرس الكتاب

الصفحة 3601 من 5287

عوامل هذا الإهمال، وما فتئ المنتجون في هذه الأقطار يوجهون الكثير من النقد المرير لهذه الظاهرة ويجهدون في أن يجدوا للمشكلات الناشئة عنها حلا وعلاجا ناجعا، غير أن هذا الإهمال -وإن كان ظاهرة غير خاصة تنعكس أثارها على كثير من المجتمعات- فإنه يتخذ في المغرب شكلا غريبا واستثنائيا يصل أحيانا إلى حدود الزراية بكل ما للفكر من رسالة تهذيبية وتنويرية وما تكتسيه هذه الرسالة المقدسة من أهمية قصوى سواء بالنسبة للفرد أو المجتمع.

لقد لفتت هذه الظاهرة أنظار الكثير من المارقبين منذ بعيد، وكانت في كثير من المناسبات موضوع العديد من الأحاديث المتكاثرة، والملاحظات المتواترة، والمآخذ المتعددة المتباينة، بل إنها كانت أحيانا أساس كثير من المجاذبات والمناقشات التي استطالت على مديد السنين، والتي لم تصل -في الواقع- إلى نهاية إيجابية واقعية. ولكن الظاهرة لا تزال قائمة باستمرار مع كل ما تنطوي عليه من تعقيد، وما تعكسه من مشاكل وصعوبات، بل إن عناصر الوعي العام التي تسربت إلى ذهنية الجماهير في عهد الاستقلال، لم تحل مطلقا دون زيادة استفحال آثارها، بكل ما لذلك من تأثير على الوضع الفكري والثقافي بالمغرب، وارتفاع نسبة العوامل التي تتجه بهذا الوضع إلى المزيد من الانحدار والكسوف.

وقد يبدو لأول وهلة أن هذا الضعف في ظواهر الإقبال على القراءة بالمغرب يتجلى على الأخص وبصورة أساسية في انخفاض مستوى رواج المنشورات الثقافية والتوجيهية وما بسبيلها، وضمور النطاق الذي يتوافر للقائمين على إصدار هذه المنشورات والمطبوعات والمتصلين بها من قريب أو بعيد.

قد يبدو إذن العامل التجاري الصرف القائم على أساس التقدير المجرد للأرقام والرسوم البيانية والكشوف المختلفة، قد يبدو هذا العامل مجديا في إثبات النقص الجوهري الملحوظ في نسبة الإقبال على استهلاك النتاج الثقافي بالمغرب، وليس هناك من ريب في أن هذا العامل له أهميته في الموضع، إلا أن هذا لا يجيز القول بأن مطلق الاعتماد عليه -أي على الأرقام التجارية الاستهلاكية قد يكون مجزئا في الدلالة على حقيقة الوضع الفكري عند الشعب، وطبيعة الاتجاه الذي يتحكم في تحديد هذا الوضع، ويسير به نحو الانحدار أو السموق، فقد يلاحظ في بعض الأحيان نوع من الإقبال على التهام بعض المطبوعات الدورية وما في نوعها، وقد يسجل رواج بعض الكتب المستوردة مثلا رقما قياسيا ربما يدعو -أحيانا إلى الدهشة والاستغراب، ولكن ذلك كله لا يجب أن يدرج في عداد الظواهر الإيجابية المشجعة التي يجوز الاطمئنان إليها، والاعتداد بها في هذا المقام، لأنه لا يعكس -في الواقع- إلا حالة سطحية عابرة لا تعبر -بحق- عن وعي فكري أصيل أو شبه أصيل يمكن أن ترتبط مقدماته بنتائج أساسية وجوهرية لها قدر من القيمة والاعتبار.

فما هي صورة هذا النوع من الإقبال المظهري على القراءة العابرة؟ وما هي دواعي هذا الإقبال وباعثه؟ إنه من الممكن أن نصنف هذه الدواعي والبواعث ونركزها في الصور الآتية:

1 -القراءة الانتهازية وتتمثل في ذلك الصنف من القراءة التي يقتنصها البعض من الناس عندما تعرض له مصادرها بصورة تلقائية عفوية ودون أن يتجشم أي عناء في البحث عنها أو التماس سبيلها سواء من الناحية المادية أو المعنوية ومن ذلك: الإقبال على قراءة بعض الصحف والمطبوعات الصغيرة عن طريق الاستعارة أو التطفل.

2 -القراءة الترفيهية وتتجلى في ذلك النوع من القراءة التي لا يكون هناك من باعث عليها في الغالب إلا الرغبة في اصطناع حالات خاصة تتيح الشعور ببعض الالتهاء والتسلي وتوفير ظروفهما واستجلاب العناصر النفسانية التي تساعد على ذلك، ومن الأمثلة في هذا المقام (الإقبال على التهام بعض الروايات المثيرة أو قراءة مكتوبات تنسجم ورغبات فضولية معينة) .

3 -القراءة الوصولية وتتجسم في ذلك النوع من القراءة التي لا ترتبط الحوافز عليها بأغراض فكرية أصيلة أو منازع عقلية ووجدانية صرفة، وإنما تتأصل هذه الحوافز -في الواقع- من حالات اضطرارية معينة يوجد فها المرء مجبرا على الانصراف إلى بعض الكتب، وتصفح ما تضمه من أوراق، وذلك لاستذكار بعض الفصول المتناثرة هنا وهناك واستيعاب عدد من الفقرات التي تنطوي عليها هذه الفصول (ومن أمثلة ذلك: القراءة الاستعدادية لاجتياز مباراة أو امتحان أو غيرهما) . هذه الحالات المختلفة -التي تعكس بعض ظواهر الإقبال المظهري على القراءة بالمغرب- لا يجوز بالطبع أن تعتبر عنصرا صحيحا لإمكانية تعديل صورة المشكلة القائمة بهذه البلد .. هذه المشكلة التي تتمثل في انعدام الظروف الفكرية الملائمة لرواج المنشورات التثقيفية أو ما في حكمها، وذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت