فهرس الكتاب

الصفحة 3602 من 5287

بالقدر الذي يمكن هذه المنشورات من ضمان الموارد الضرورية لتحقيق وجودها واستمرارها، واستنفاذ الأغراض الحافزة على إذاعتها وإنفاقها.

ولا غرو أن استمرار حالة من هذا النوع ليس من شأنه أن يساعد على توفير الشروط الضرورية لبعث عوامل النهوض بالآداب والفنون وغيرها في أي قطر من الأقطار.

وانعدام الأسس الصالحة لازدهار فكري من هذا النوع يثير في الواقع كثيرا من المصاعب أمام تطور بوادر الإنتاج الأدبي وغيره، ويعطل ما في هذه البوادر من إمكانيات إيجابية ويحيلها إلى سلبية مطلقة في أساس هذا الفراغ الفكري الهائل الذي نعيشه باستمرار.

ومن هذه المصاعب ما يتصل بانعدام الموارد المادية والطباعية وغيرها، ومنها أيضا ما يتعلق بضيق المجالات التوزيعية والانتشارية التي لا تعدو نطاقا ضيقا ومحدودا جدا، إلا أن من اشد هذه المصاعب -باعتبار الناحية الفكرية والمعنوية- هو ذلك الذي يتجلى في انعدام الاهتمام العام بما ينشر من آثار ضئيلة وعدم الإكثراث لها إطلاقا، والإحجام عن نقدها أو التعليق عليها أو الإدلاء حولها برأي أو توجيه أو غيره.

ومن الطبيعي أن يكون لهذه الحالة انعكاسات سلبية على واقع الحياة الفكرية والإنتاجية بالمغرب ومن هذه النتائج:

1 -ضآلة الإقبال على الإنتاج المستقل القائم على قاعدة النشاط الفردي الخاص (وضع الكتب والرسائل مثلا) .

2 -انهيار المشروعات الأدبية والتثقيفية التي تقوم على موارد خاصة (اختفاء المجالات والمنشورات المختلفة التي عرفها تاريخ المغرب الأدبي في العقود الأخيرة) .

3 -إخفاق الكثير من الهيئات والمنتديات والجمعيات الثقافية والفكرية، وعجزها عن أداء المهام المختطة لها سواء من الناحية الفنية والتنظيمية أو من الناحية الأدبية والإنتاجية.

وقد كان هذا الوضع أساسا لنشوء حالة غريبة نسبيا تكاد تصبح من المعالم الواضحة في تطور الحركة الإنتاجية الفكرية بالمغرب، وتتمثل فيما يلي:

1 -تقلص مجال النشر والإشعار الثقافي والفكري وتركز ذلك بالتقريب في جهات معدودة ومنحصرة تتوافر لها إمكانيات تنظيمية ومادية واسعة، وتستمد هذه الإمكانيات من مصادر رسمية أو ما في حكم الرسمية.

2 -انعدام النزوع إلى التنويع في صور التعبير عن الفكر بالمغرب وتبلور مجموع هذه الصور في شكل المقالة أو المقطوعة الشعرية أو القصة القصيرة (في أحيان قليلة جدا) أو غير ذلك مما يندرج في نطاق الإنتاج الصحفي على اختلاف مناحيه وأغراضه.

ومفهوم ذلك أن الاتجاه إلى التأليف من مجال أوسع كوضع الكتب أو ما شاكلها لم يعد له في هذا البلد من الإمكانيات والظروف ما يخوله أي نصيب من فرص النمو والتطور، بل إن المحاولات البسيطة التي وقعت المجازفة بها في هذا الميدان خلال فترات مختلفة ... هذه المحاولات قد بلغت مداها فعلا منذ بعيد، وأضحى التفكير في معاودتها غير ذي موضوع، وعلى الأقل من الناحية التطبيقية العملية.

على أن هذا لا يعني أن الانصراف عن التأليف الكتبي قد أعان على تركيز الطاقات الفكرية الواعية في ميدان الإنتاج الفكري الصحفي وأدى بالتالي إلى ازدهار فن المقالة الأدبية والعملية على شكل مرض يثير الارتياح، ويبعث مشاعر التفاؤل. إن دراسة موضوعية لواقع الإنتاج المغربي في هذا المضمار، قد تحمل المرء على الاعتقاد بأن هذا التطور المحتمل لم يتخذ شكلا جوهريا له نصيبه من القيمة والاعتبار، بل على النقيض من ذلك فإن ما يقذف به إلى الميدان أحيانا من محاولات مختلفة تندرج في عموم هذا الإنتاج يمكن أن تعكس في أعين المراقبين كثيرا من المآخذ الأساسية الجوهرية التي تنحدر بقيمته ومدلوله أحيانا إلى دركات مسفة.

ولا محاولة أن الاستخفاف الذي تقابل به شؤون الفكر عندنا له دخل كبير -كما أسلفنا- في هذا الأمر فبعض أفراد الانتلجنسيا المغربية تتوافر لهم بالفعل -وفي حالات عدة- إمكانيات واستعدادات إنتاجية لا يجوز الغض من قيمتها وصلاحيتها ولكنهم -مع ذلك- وفيهم المتجمدون بالمرة -لا يتوافر لهم الحافظ السيكولوجي الذي يبث فيهم روح الحرص على استغلال هذه الطاقات والاستعدادات وتسخيرها لبناء إنتاج قوي متين يتسم ببعض الجودة والأصالة والعمق، أما علة ذلك فبسيطة كل البساطة، وتتلخص في عدم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت