فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وجود رقابة فكرية موجهة -نتيجة استمرار أزمة القراء- تتناول بالنقد والتوجيه أهم ما يمكن أن ينشر من آثار أدبية أو علمية وتشكل بالتبعية لذلك عاملا قويا ومهما له تأثير في تنمية حرص المنتجين على اقتضاء عناصر الإجادة والأصالة فيما يبدعون أو يحاكون.
والواقع أن انعدام هذه الإجادة والأصالة، وضعف مدلول الإنتاج المغربي بسب ذلك، هو من بين التعلات التي يتذرع بها في الغالب لتبرير ظاهرة الأعراض عن القراءة بالمغرب، وعلى الرغم من أن هذا التبرير قد يترآى لأول وهلة معقولا وواقعيا فإنه -مع ذلك- لا يكفي لتفسير جميع العوامل والملابسات التي تكمن وراء هذه الظاهرة وتعين على استمرارها وتطورها. إن هذا الإعراض -إذا ما حللنا أصوله وبواعثه فإننا سنجد أن منشأة لا يرتبط ارتباطا متينا بما يمكن أن يكون هناك من اتجاهات متشددة في نقد الإنتاج الحالي، أو مذاهب مغالية في تقييم مضمونه ومدلوله، الأمر الذي يجيز الخلوص إلى الاعتقاد بأنه نتيجة حتمية لما يمكن أن يوجد عند جمهرة القراء من رغبة جامحة فيما هو أفضل وحرص شديد على ورود ينابيع أغنى وأجود، ولو كان الأمر من هذا القبيل لأدى إلى رد فعل إيجابي من نوع آخر يتمثل في شدة الإقبال على مصادر القراءة الآتية من الخارج، والتهافت على ما تحويه هذه المصادر من علم وفن وأدب، لكن الواقع الذي تؤكده الاختبارات المتكررة أن الانصراف عن القراءة الرصينة المتدبرة يكاد يكون عندنا قاعدة أساسية مطردة لا تتخلف إلا قليلا بالنسبة للمستوردات الفكرية الآتية من الخارج وحتى هذا القدر الضئيل من ظواهر الإقبال النسبي على هذه المستوردات قد يكون الحافز عليه أحيانا مجرد الرغبة في تزيين الرفوف، أو الحاجة إلى استقاء معلومات معينة يستوجبها شأن من شؤون الحياة العادية أو غير ذلك، ومن الطبيعي أن هذا الضرب من القراءة لا يمكن أن يسهم -كما ذكرناه من قبل- في توفير الظروف الضرورية لحياة ثقافية حقيقة، وليس من شأنه مطلقا أن يركز روح الرغبة في الإقبال على القراءة المثقفة للعقل، المهذبة للروح الصاقلة للوجدان، ويخلق عناصر التطور الفكري الصحيح الذي يتيح لهذه القراءة أن تصبح ضرورة ملحة من ضرورات الحياة عند جمهرة المتعلمين.
ومن نافلة القول الإشارة إلى أن العمل على تحقيق تطور فكري من هذا النوع في عقلية هؤلاء المتعلمين واتجاهاتهم هو من أولى الوسائل الضرورية للقضاء على مظهر التخلف الفكري الذي يتجسم في تجمد بوادر الإنتاج الثقافي ورواجه بين الجمهور في المغرب.
ولكن السؤال سيبقى دائما: من الذي عليه مسؤولية العمل على أحداث هذا التطور؟ الكتاب أم القراء؟ لقد تطارح الكثيرون مثل هذا السؤال منذ عهد بعيد، ولم يؤد الجدل الذي استفاض حول هذا الموضوع على أساس توجيه المسؤوليات لهذا الجانب أو ذاك لن يصبح على الإطلاق سبيلا لتحديد هذه المسؤوليات وإيجاد قاعدة انطلاق عملي لحل المشكل حلا جذريا، سيكون هناك مجا -على ما يبدو- لإيجاد هذه القاعدة إذا ما استطعنا ـن نزيح عن الموضوع بعض العناصر الجانبية التي ليس فيها من غناء، ونسلط المزيد من الاهتمام على النواحي الرئيسية التي هي في أساس وجود المشكلة والممدة لها في مجال الصعوبة والتعقد.
إن التزام الواقعية في النظر والاستنتاج يقتضينا أن نستبعد الاعتماد المطلق على جانب القراء والاستناد إليه كثيرا في تقدير الحلول الموضوعية الممكنة، لأن ذلك يوجب علينا أن نفترض وجود جمهور قارئ بهذه البلاد، له من الاستعداد النفساني التلقائي ما يجعله واعيا لحاجياته الفكرية الملحة، مقدرا لخطورة النقص الموجود في الوسائل الكفيلة بتلبية هذه الحاجيات، ملحا على ضرورة تهيئ هذه الوسائل وتعميمها.
إنه ليس هناك بالطبع ما يستوجب هذه الافتراضات، واعتمادها أساسا لحل المشكلة الفكرية الماثلة أمامنا وإلا لكان متعينا علينا حينئذ أن نتصور المشكلة على أنها مشكلة إنتاج فقط يمكن أن نلجأ لتفاديها إلى كل السبل المؤدية على اصطناع المنتجين واستدرار ملكاتهم العقلية الغافية واعتصار مطاويهم الذهنية المنغلقة بالاعتماد -كما ذكرنا- على وسائل التشجيع والتنشيط، ولعل القليل من المعاناة للحياة الفكرية بالمغرب تؤدي إلى الاقتناع بأن ذلك غير صحيح صحة مطلقة، فهناك بالفعل -وكما لا يمكن الإغضاء عنه- مشكلة إنتاج وإبداع ولكن هناك أيضا -وكما أفضنا القول فيه من قبل -مشكلة استهلاك لما يمكن أن يكون هناك من إنتاج محتمل، والتقدير الصحيح للأمور يوحي بأن المشكلتين ترتبطان بعضهما ببعض ارتباطا عفويا متينا، وهذا الارتباط يقتضينا بالطبع أن نعير الكثير