فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
من الاهتمام لكليهما على أساس التقدير الصحيح للعوامل الأساسية التي تكمن وراءها والعناصر الجوهرية التي تشكل وجودهما.
وعلى ضوء هذه الاعتبارات يمكننا مثلا أن نقدر واقع الحياة الإنتاجية في المغرب فنلاحظ أن الكثيرين من ذوي الإمكانيات الفكرية يجترون بالفعل حياة سلبية جوفاء تكاد تكون -في بعض الحالات- عاطلة من أي محتوى فكري صحيح ومجردة عن مدلولها الحقيقي كحياة مخصبة منتجة تسود جوها روح الخلق والإبداع وتقودها بوادر الحق والخير والجمال.
وقد تعرضنا -من قبل- إلى بعض الأسباب التي يمكن التعلل بها في تبرير هذه الظاهرة المعضلة، ضوي تلك الأسباب قد يؤدي إلى تعديل الصورة الجافة الباهنة التي تتجلى فيها حياة الفكر بهذا البلد، وإمداد جوانب هذه الحياة ببعض عناصر الخصوبة والمرع.
ولكن هل يكفي ذلك -ومع افتراض وقوعه- لتحويل مجرى الواقع الذهني الذي يسود أغلبية القراء المحتملين بالمغرب وقلب أسس العقلية التي تسيطر على اتجاهاتهم وتصدهم بسبب ذلك عن الاكتراث للقراءة واعتبارها حاجة أساسية من حاجيات الحياة الملحة؟ ذلك -في واقع الأمر- الجانب الأكثر تعقيدا في المشكلة والأشد استعصاء على جهود الكتاب وغيرهم ممن يمكن أن يكونوا في حكم المعنيين بمشاكل الفكر والثقافة بهذه البلاد، وهذا الجانب -المتمثل في أزمة القراء- هو ما يجب أن يكون موضوع اهتمامنا العميق في اتجاهاتنا إلى معالجة المشكلة الفكرية العامة بالمغرب.
ولا ريب أن هناك كثيرا من أسباب الاتصال بين أزمة القراء هذه، وبين المستوى المنخفض الذي توجد عليه حالات التعليم بهذه البلاد وانتشار الأمية نتيجة لذلك بين غالبية الجماهير فيها: لكنه ليس من الحكمة أن نغالي في تقدير هذا العامل -عامل الأمية ونعزو إليه كل مظاهر الأزمة وانعكاساتها.
إنه من الضروري -والانصراف عن القراءة يشكل ظاهرة شبه عامة تشكل غير الأميين أيضا- من الضروري إذن أن نعني جميعا بتقدير الحقائق الأساسية في هذه الظاهرة المزمنة والملابسات الاجتماعية والذهنية والاقتصادية التي تعين على استمرارها وتضاعف من حدة النتائج المنبثقة عنها، أن هناك أساسا للتأكيد بأن مشكلة الأعراض عن القراءة تكون في الواقع مظهر تخلف عقلي واجتماعي يتصل وجوده بما يسيطر على مجتمعنا من مفاهيم مغلوطة وخاطئة، وما يسوده من أفكار واتجاهات غير صائبة.
وهذه المفاهيم والاتجاهات هي التي تسهم في تحديد نظرتنا إلى المعرفة المجردة وتقييمنا لوسائل هذه المعرفة وأدواتها كالكتب والنشرات الدورية بمختلف أصنافها ومحتوياتها.
وإذا كانت الرغبة تحدونا إلى معالجة مشكلة القراءة بالمغرب فإن ذلك يقتضينا التفكير أولا في مراجعة المقاييس الأساسية التي نعتمدها في هذا التحديد والتقييم، وسنرى حينئذ أن الأساس الذي أصبح ينبني عليه تقديرنا للمعرفة لا يعتمد على قاعدة النظر إليها باعتبارها وسيلة لتحقيق الأهداف التربوية الرئيسية كتنمية الجوانب الإنسانية في الفرد وتهذيب غرائزه وميوله، وتركيز طاقاته واستعداداته الإيجابية الخبرة، وإعداده للحياة إعدادا يتفق وهذه الأهداف، بل إن الغرض البعيد من التعلم -كما تتصوره أذهان الكثير منا- يكاد ينحصر في دائرة معينة وضيقة جدا كضمان المستقبل المادي للفرد، وتأمين أبسط الوسائل له للحصول على إمكانيات العيش الميسور المريح، وتفسيح المجال أمامه ليرقى في مدارج السلم الاجتماعي كما يبدو في صورته الراهنة.
وعلى ضوء هذه الاعتبارات يمكن تعليل الرغبة المتزايدة في ولوج المدرسة واستيعاب قسط -ولو كان ضئيلا- من محتويات البرامج والمناهج الدراسية المقررة، والإحراز أخيرا على أية شهادة أو إجازة ممكنة ولو كانت ذات مستوى بسيط ووضيع، أنه من المعقول بالطبع مظاهرة بوادر هذا الحرص على التعلم، والإلحاح في الاستزادة منه، إلا أنه سيبقى من المعقول أيضا تقدير هذا الحرص والإلحاح على حقيقتهما واعتبارهما مجرد انعكاس للرغبة العامة في ضمان الحصول على قسط من التطور الاجتماعي والتقدم الطبقي، والشعور العميق بأهمية الدور الذي يؤديه التعلم في هذا المضمار.
ولئن كان علينا أن نعني برعاية هذا الاتجاه الكاسح إلى التطور الاجتماعي والتعليمي بين سواد الشعب فإن علينا كذاك أن نبذل عناية أوفر بتعميق الوعي الذي ينبثق عنه هذا الاتجاه وربطه بالأهداف التربوية الأساسية، حتى يصبح وعيا فكريا متفتحا تستطيع معه المدرسة أن تضطلع بمسؤولياتها في تحقيق عناصر التحول الفكري المنشود وتركيزه تركيزا قويا متينا.