فهرس الكتاب

الصفحة 369 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع9 /مارس 1958 ص 35

أما القوة المدركة فإما أن تكون من خارج، وهي الحواس الخمس، وإما أن تكون من باطن، فبعضها قوي تدرك صور المحسوسات، وبعضها قوي تدرك معاني هذه المحسوسات، ومن القوي المدركة الباطنة قوة فنطاسيا (1) (الحس المشترك) ، وهي التي تقبل جميع الصور المنطبعة في الحواس الخمسة متأدية إليها، ثم الخيال، والمصورة، ثم القوة التي تسمى متخيلة بالنسبة للنفس الحيوانية، ومفكرة بالقياس إلى النفس الإنسانية، وهي مرتبة في التجوف الأوسط من الدماغ تدرك المعاني الغير المحسوسة الموجودة في المحسوسات الجزئية، أما النفس الناطقة الإنسانية فتنقسم قواها إلى:1) عاملة. -2) وعالمة.

وكل واحدة من القوتين تسمى عقلا باشتراك الاسم، ثم أن للقوى ثلاث معان:1) قوة الاستعداد المطلق الذي لا يكون خرج منه إلى الفعل شيء، ولا حصل ما به يخرج، كقوة الطفل على الكتابة.

2)قوة الاستعداد إذا مل يحصل للشيء إلا ما يمكنه به أن يتوصل إلى اكتساب الفعل بلا واسطة، كقوة الصبي الذي ترعرع وعرف القلم والدواة وبسائط الحروف على الكتابة.

3)قوة الاستعداد إذا تم بالآلات وحدث مع الآلة أيضا كمال استعداد، كقوة الكاتب المستكمل الصناعة إذا كان لا يكتب، فالقوة الأولى تسمى مطلقة، والثانية تسمى ممكنة، والثالثة تسمى ملكة (2) .

ولعلنا مما تقدم نستطيع أن نلاحظ هنا بتدقيق مدى ما ذهبنا غليه في مقال (الفكر الإنساني كما يراه ابن خلدون) من أن ابن خلدون متأثر بالرئيس ابن سينا وغيره من الفلاسفة الإلهيين، كما نستطيع أن نلاحظ أيضا مدى ولوع الفلاسفة الأقدمين بالتجزئة التي فتح فلوطين فيها الباب للمعلم الثاني (الفارابي) حتى وصلت على عهده وعهد أتباعه عشرة، والحمد لله على الاكتفاء بهذا العدد كما يقول الأستاذ بولس سلامة في كتابه (الصراع في الوجود) .

بل الواقع أن الفلسفة اليونانية والعربية لم تكتف بتفريعات العقول والنفوس وقواها، بل عمدت إلى تقسيم وتفريع العقل الإنسان نفسه إلى قوى، بل عمدت إلى تقسيم وتفريع العقل الإنساني نفسه إلى قوى وملكات عديدة، لقد قسموه إلى ثلاث قوى رئيسية:

1)الفكر.

2)الوجدان.

3الارادة والنزوع.

ثم قسموا هذه إلى أقسام أخرى هي ما يعرف لديهم بالملكات العقلية: ملكة للتذكر، ولمكة للخيال، وملكة للملاحظة، واعتقدوا أن كل قسم منها يمثل ملكة أو قوى للتنمية والتقوية بالتمرين.

ونظرية الملكات هذه لم تعدم لها أنصارا عند فلاسفة أوربا، فهذا لايبنتز (1646م - 168م) ومعه هملتون، يعرفها بأنها نوع خاص من الإدراك، بسبب العمل العقلي، أما جون لوك الانجليزي1632 - 1704م) فقد توسع في ذلك فافترض لكل عمل عقلي ملكة خاصة وتبعه كثيرون، فقالوا الملكة الخلقية، (وكان ابن سينا يجعل الحقل ملكة) والملكة الميزة، وملكة التصور، وقال «فرويل» (1782م - 1852م) ملكة الكلام، كما قال ابن خلدون قبل ذلك بما يزيد على ثلاثة قرون ملكة الحساب، وملكة اللغة، وملكة النجارة، وملكة التعليم كما سنرى ذلك فيما بعد.

ولعل من المهم أن نذكر أن فكرة التربية الترويضية أو التدريبية التي تأخذ مكانا بارزا في تاريخ التربية، ترتكز في أساسها وتعليلها على المذهب الملكات العقلية، ومجمل هذه الفكرة، إن الفائدة من التربية والتعليم تنحصر في سير التعليم وما ينتج عنه من النضج العقلي، بينما تبقى أهمية ما يدرسن ثانوية في نظر أصحاب هذه الفكرة.

وجوهر المسألة عندهم أن العمل الفكري - إذا عني باختيار - يولد ملكة أو قوة عقلية تفوق بأهميتها القوة والنشاط اللذين يصرفهما المرء في توليدها، وهذه الملكة الجدية صالحة للاستعمال في مواضيع وأبحاث جديدة قد لا يكون لها علاقة بالموضوع الذي أوجدها.

ومن ثم برروا وجود اللغات القديمة في مناهج الدراسة، وذهبوا إلى أنها تفيد الطالب بأن تولد فيه ملكة تساعده على القيام ببقية الأمور العقلية، فكما أن التوسع في المنطق والجدل والرياضيات، يولد في العقل قوة المحاكمة الصحيحة التي تساعده في بقية الأعمال العقلية، كذلك درس اللغات والآداب القديمة ينمي قوتي الحافظة والذاكرة وإن لم يكن للآداب فائدة حيوية محسوسة (3)

(1) كلمة يونانية يقصد بها التخيل عند أرسطو ويقول أنها مشتقة من (وفاوس) أي النور، ولا يسميها ابن سينا بالتخيل آو المتخيلة بل بالحس المشترك، راجع رسالة ابن سينا في النفس تحقيق الدكتور احمد فؤاد الأهواني ص 28.

(2) نفس المصدر من 57 إلى 66 مع اختصار وتصرف.

(3) تاريخ التربية تأليف عبد الله مشنوق ص: 151.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت