فهرس الكتاب

الصفحة 370 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع9 /مارس 1958 ص 36

وليست في الحقيقة إلا سلاحا تذرع به الرجعيون ليتمكنوا من مجابهة أصحاب التربية الواقعية التي حصرت الأهمية في الشيء المقصود تدريسه وأهملت الأسلوب والطريقة، كما أن الكنيسة استخدمتها كسلاح لتوطيد نفوذها، وهي التي تنظر إلى التربية كترويض خلقي، كما وجدت النظرية الترويضية الإقبال منم لدن المتشبثين بمنطق أرسطو وعلم النفس القديم، وهو يقضي بوجوب تدريب قوي العقل وإجهادها بدروس صعبة كاللاتينية.

ويقول أحد المناصرين لنظرية التدريب العقلي (فوييه) ردا على (هاكسي) الذي يقول بجعل العلوم الطبيعية أساس للتعلم:

(فإذا درسنا أصول العلوم الطبيعية فإننا نتوصل إلى معرفة صنع السكك الحديدة والقطار البخاري، ولكن الذي اخترع هذا القطار لم يتوصل إلى اختراعه بدرس العلوم، ولكن بمقدرته العقلية وقوته الفكرية، وهذه القوى لا تتولد بتعليم طرق العلم الحديث، وإنما تنشأ بتنمية قوى العقل وملكاته وتدريبها، وهذه يجب أن تكون الغاية من التعليم(4) .

وقد أجاب الأستاذ هاكسلي في كتابه (التربية والعلم) بشيء من التهكم، ينبىء عن مدى عدائه لنظرية التدريب العقلي التي دافع عنها (فوييه) والتي يعد العالم الانجليزي (جون لوك) واضعا لها في شكلها التاريخي القديم، فغاية التربية عند هذا الفيلسوف «إعداد رجال مفكرين عاقلين يتمكنون من استعمال محاكمتهم الصحيحة في كافة المواضيع» ، ومن ثم كانت الرياضيات التي تعرف بأهميتها في تدريب العقل، وسيلة لإعداد المفكرين العاقلين وليست بحال عنده وسيلة لأعداد رياضيين بارعين.

وبقيت روح التربية الترويضية مسيطرة على المدارس التهذيبية بألمانيا وانكلترا خلال القرن الأخيرة الثلاثة، حتى تسنى للنزعة الطبيعية أن تبدو على يد مؤسسها الفيلسوف الفرنسي (جان روسو) .

وكان في ظهور الفيلسوف الألماني جون فردريك هربات (1776 - 1841) ثورة على علم النفس القديم القاتل بتقسيم العقل على قوى وملكات منفصلة، يقول هذا الفيلسوف في أحد كتبه عن التربية والتعليم (وجدت أن علم النفس المتداول في عصرنا مملوء بالأباطيل والخيالات، وتحقق لدي أننا بحاجة ماسة لمبادئ حديثة في علم النفس، نبني عليها طرقنا وأساليبنا في التربية والتعليم) فكان أن بني هذه المبادئ علة نقطة جوهرية تناقض مذهب الملكات الذي ساد قرونا طويلة، واعتقد به كثير من الفلاسفة من يونان وعرب وأوربيين، لقد اعتقد هربارت بأن العقل البشري وحدة لا تتجزأ، كما أنه نظر على النفس موحدة، ونفى وجود الملكات بالفطرة، وذهب إلى أن نفس الطفل تولد خلوا من أي شيء، ولا تحتوي إلا على قوة واحدة هي قوة الاختلاط بالمحيط بواسطة الجملة العصبية، وبفضل الاختلاط ينمو عقله ويتكامل بواسطة الإدراك الحسي أو الاطلاع، وبامتزاج اطلاعاته تنمو قوتا الحكم والمحاكمة.

لكننا نلاحظ أن علم النفس الحديث بالرغم من انه أصبح لا يعتقد بمذهب الملكات، لا يزال يستعملها، ولا يعني استعماله لها مجاراة الرأي القديم بل إنما يقصد التسامح والتسهيل.

ولعلنا نكون قد استطعنا رسم صورة تقريبية لمذهب الملكات وما نشأ عنه من اثر في توجيه التربية في بعض عصورها، وأقوال مختلف العلماء فيه، ويبقى علينا أن نأخذ صورة أخرى عن رأي العلامة ابن خلدون في الملكات، ومدى تأثره بمن سبقه من الفلاسفة، ومدى ما في رأيه من تجيد وابتداع، ,اثر كل ذلك في آرائه التربوية.

والمطلع على المقدمة لا شك أنه لاحظ أن ابن خلدون يذكر الملكة في كثير من المواطن، فهو تارة يعمد إلى تعريفها، وأحيانا يذكر مميزاتها، وأخرى يتعرض للأسس النفسية التي تنشأ عنها ملكة في علم ما، ولكي يسهل علينا أخذ هذه الصورة، نحاول ضم ما يتعلق بالملكة في مكان واحد، بالرغم من أنها وردت متفرعة في أبواب وفصول شتى من المقدمة.

فالملكة عنده صفة ذات أسس راسخة، معاناة تنشأ عن عمل الفعل وتكراره مرات متعددة غير متباعدة الفترات حتى تصير الصورة الفعل راسخة، وتلقى هذا الفعل يقتضي أحد سبيلين اثنين:

1)الملاحظة المباشرة. -2) أو التلقين.

وهو يؤكد أن الملكة الناشئة عن الملاحظة المباشرة (المعاينة) كما يسميها تكون أقوم من الملكة الناشئة عن التلقين، وهو يرى ضرورة هذه الملاحظة المباشرة بالأخص في تعلم الصناعات التي لابد لها من العلم (1) .

ثم أن وجود الملكة تتوقف على مهارة المعلم واستعداد المتعلم ملكته، فإذا كان المعلم أو استعداد المتعلم قاصرا فسوف تكون الملكة حتما قاصرة.

(4) نفس المصدر ص: 153.

(1) عن الفصل السادس عشر (في أن الصنائع لابد فيها من العلم) من الباب الرابع من المقدمة، مع تصرف لا يتنافى المعنى المقصود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت