فهرس الكتاب

الصفحة 371 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع9 /مارس 1958 ص 37

ويخشى ابن خلدون إلا نفرق بين الملكة والفهم، فيؤكد لنا أن الملكة شيء والفهم شيء آخر، لأن الفهم والعي للمسائل شيء في متناول الجميع، بما في ذلك العالم والجاهل، والمبتدئ والضليع، بينما لا تتيسر الملكة لغير العالم المتضلع (1) ، ثم أن الملكات جسمانية، سواء كانت في البدن أو الدماغ، وهذا يعين أنها محسوسة، ولكونها كذلك تستدعي التعليم، ولن يكون هذا التعليم متينا قويا إلا إذا كان مأخوذا عن مشاهير المتخصصين في علم أو صناعة ما، لأن المكلة إذا كانت جيدة تزيد من ذكاء صاحبها، والملكة الجيدة لا تقضي التعقيد والاختصار، لأنها عن كانت كذلك كانت ملكة قاصرة كما يحدث في دراسة المختصرات، ومن ثم ألح في ضرورة التبسيط والتطويل والبعد عن المختصرات في التعليم (2) والملكة صفة نامية بشرط أن تتغذى، وتتشكل بحسب جودة الغذاء ورداءته، وما اختلاف النفوس بالرغم من كونها في جزريتها واحدة بالنوع، إلا ما ينشأ عن نوع المدركات التي تطبعها وتصوغها، فتبدو من خارج، في إطارها الفريد بعد أطوار من التدريج، ثم أن الإطار النهائي للملكة ينشأ عن المادة الخام لها، فهناك ملكة الشعر مادتها حفظ الأشعار ولمكة الكتابة مادتها حفظ الأسجاع والترسيل، والملكة العلمية مادتها العلوم والادراكات والأبحاث والأنظار العلمية، غنه باختصار يقصد ملكة للشعر، وملكة للنثر الفني، وملكة للعمل، ولمكة للفقه، ولمكة للتصوف وقس على ذلك، وهذه كلها تنشأ كل واحدة منها عما أضيفت إليه، وجودتها أو رداءتها تأتيان من جودة أو رداءة المادة نفسها.

وينتزع ابن خلدون المثال من نفسه، حيث يذكر أنه حدث صديقه ابن الخطيب بأنه (أي ابن خلدون) يجد صعوبة في نظم الشعر، رغم أنه يحفظ كثيرا من جيد الكلام، ثم يعزو ذلك إلى أن حفظه هذا كان مسبوقا بحفظ القوانين العلمية، فكان هذا خدشا لما حفظ من جيد الكلام، ويجيبه ابن الخطيب: (لله أنتن وهل يقول هذا إلا مثلك) .

ثم أن النفس بعد اتخاذها إطار ولن ملكة ما، تكون قد تشكلت وتلونت، ولا يمكن - إلا في القليل النادر - أن تتخذ إطار ولون لمكة أخرى، وهو يستبطن جذور المسالة فيفترض أن هناك من يعترضن فيتحرز بأن ذلك لا يقع غلا إذا كانت المكلة الأولى لم تستحكم بعد ولم ترسخ صبغتها، أي لم تتخذ إطارها ولونها النهائيين.

فالخياط الذي يجد- إذا أجاد - الخياطة ورسخت في نفسه، فلن يستطيع أن يجيد من بعدها ملكة النجارة أو البناء أو غيرها، هذا «لأن الملكات صفات للنفس وألوان، فلا تزدحم دفعة، ومن كان على الفطرة كان أسهل لقبول الملكات وأحسن استعدادا لحصولها، فإذا تلونت النفس بالملكة الأخرى وخرجت عن الفطرة، ضعف فيها الاستعداد باللون الحاصل من هذه الملكة، فكان قبولها للملكة الأخرى اضعف، وهذا بين يشهد له الوجود» (3) وليس هذا في الصنائع فحسب بل حتى في العلوم، وهو يسمى، أو على الأصح، يصف ملكة أهل العلم بالفكرية، فالملكة إذن إما فكرية لأهل العلم، وغما عقلية لأهل الصنائع، يدل هذا قوله كما رأينا قبل (سواء كانت في البدن أو الدماغ) وسنرى فيما بعد مدى صحة الرأي.

ويلح ابن خلدون كثيرا في أهمية التكرار لتكوين الملكة، فيذكر ذلك في أماكن مختلفة، وفي أحدها (في أن اللغة ملكة صناعية) يوضح سبب ذلك، لأن الفعل الذي قع أو الأمر تعود منه للذات، فإذا تكرر الفعل بعد ذلك كان حالا، بمعنى أنها صفة غير راسخة، فإذا تلا هذه الحال تكرار آخر نشأ عن ذلك تمام تكوين الملكة أي الصفة الراسخة. ويبدو أننا أخذنا صورة تكاد تكون مستكملة الخطوط لمكلة في رأي ابن خلدون.

وعلينا بعد هذا أن نتساءل ما هي النقط التي يتفق ابن خلدون فيها مع ما يذهب ليه القائلون بمذهب الملكات؟ وفيهم يخالفهم من ذلك؟ وإلى أي حد كان تأثر آرائه التربوية بنظريته في الملكات؟ وما موقف علم النفس الحديث من مذهب الملكات على العموم؟.

ولابد قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، من الإشارة إلى ملاحظة هامة، وهي أن القدماء كانوا يجعلون الملكات صفات للنفس، ومن ثم كنا نرى ابن خلدون يجاريهم في ذلك ويقسمها إلى ملكات عقلية وملكات فكرية.

بينما نرى المفكرين الأوربيين أمثال (هملتون) (ولابينتز) (ولوك) يقصرون الملكات على العقل، ويقولون بأنها نوع من الإدراك ينشأ عن العمل العقلي.

إذن فابن خلدون هنا يلتقي مع أولئك وهؤلاء (سواء كانت في البدن أو الدماغ) يتفق مع أولئك فيقول بالملكات النفسية وفي نطاقها الملكات العقلية، ويتفق مع هؤلاء، فيقول: ملكة الحساب، وملكة اللغة، وملكة الشعر، كما يقول فرويل ملكة الكلام وغيرها.

(1) الفصل الثاني (في أن التعليم للعلم من جملة الصنائع) من الباب السادس.

(2) الفصل التاسع والعشرون (في أن الاختصارات المؤلفة في العلوم مخلة بالتعليم) لا أشير على الصفحة لأن المقدمة مطبوعة في طبعات متعددة ومختلفة، واذكر القارئ الكريم بأني اعتمد على طبعة دار الكتاب اللبناني.

(3) الفصل (22) فيمن حصلت له ملكة في صناعة نقل أي يجيد بعدها ملكة في أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت