فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع9 /مارس 1958 ص 38
ونستطيع أن ندرك أن ابن خلدون يرى أن الملكات تكتسب، (ومن كان على الفطرة كان أسهل لقبول الملكات وأحسن استعداد لحصولها) إذن فهو هنا يغفل النزوع الفطري، ولعل هذا يرجع إلى ما عرف عن الغزالي الذي يقول بأن الطفل صفحة بيضاء، ولا نعدم مثل هذا الرأي عند (لوك) وحتى (فردريك هربارت) وهو رأي ينافى أساسين اثنين لهما اعتبارهما في علم النفس الحديث، هما الغرائز، والوراثة. ومن العلوم أن لهما أثرا في توجيه الطفل وتحديد نوع العمل الذي يبرز فيهن وهذا هو السر في أننا نرى كثيرا من الأطفال يبدو عليهم نقص واضح في المسائل الفكرية والمعلومات النظرية، فإذا القينا بهم في مضمار الأعمال اليدوية رأينا عجبا، رأيناهم يبدون كثيرا من الحذف والمهارة، في حين أن زملاءهم من المبرزين في الأعمال الفكرية لا يبدو منهم واثقان، ولا يحسنون فعل كثير من الأعمال البسيطة، وتفسير ذلك أن الغرائز أساس الميول التي هي في أساسها ثلاثة:
1)إدراكية. -2) وجدانية. -3) عملية.
فيتغلب ناحية الإدراك يكون الميل إدراكا، كشغف الإنسان بجمع الحقائق، واصل هذا الميل غريزة حب الاطلاع.
ويتغلب ناحية الوجدان يكون الميل وجدانيا كشغف الفنان بفنه، ويمكن إرجاعه إلى غريزة حب الجمال.
ويتغلب ناحية النزوع أو الإرادة يكون الميل عمليا، كالإقبال على الصناعات العلمية، أو الأعمال الآلية المعمارية، أو الحربية، أو الأعمال الرياضية (1) ، ويرجع هذا إلى مجموعة من الغرائز.
ومن ثم ذهب بعض المفكرين من المحدثين إلى أن الملكات هبات موروثة لا تكتسب ولا تعلمن فالذي وهب ملكة الحفظ يكون حافظان والذي وهب ملكة الذكر يكون ذكورا، والذي وهب ملكة التخيل يكون شاعرا أو قصاصا أو أدبيا.
وقد رأينا أن ابن خلدون يرى أن قوة ملكة لا تقوى الأخرى، أما بعضهم فيرى أن تقوية ملكة في ناحية يقويها في باقي النواحي ويقوي غيرها معها، وقد رأينا ذلك عند أنصار نظرية الترويض العقلي.
ولعل من الطريف أن نذكر أن العلامة (تورندايك) على رأي ابن خلدون، ف قام بتجارب خرج منها بنتيجة أن الملكة الواحدة قد تقوى في فرع من ناحية ثم لا تقوى في أشباه هذا الفرع، مع العلم بأن هذا الأخير - شأن علماء النفس المحدثين - إنما يطلق الملكة للتساهل والإيضاح لا مجاراة للرأي القديم، إذ الثابت أن كل الأعمال الفكرية ما هي إلا مظاهر مختلفة للعقل يتأثر بعضها ببعض، ومن ثم ذهب بعضهم إلى أنه لا يصعب على شخص أن يجيد صناعتين أو علمين في آرنتين متعاقبتين أو في وقت واحد، بينما نرى ابن خلدون يصر على أن هذه الإجادة لا يعقل أن توجد على مقياس واحد، وبدون تفاوت في إجادة احد العلمين أو الصناعتين أكثر من العلم الآخر أو الصناعة الأخرى، وحتى إذا أمكن ذلك فعلى قلة (فقل أن يجيد بعدها ملكة في أخرى) .
والواقع أن التجربة تدل على أن ابن خلدون لا يجافي الصواب هنا، فالكثير الغالب أن يبرع الشخص في ناحية، فالبحتري والمتنبي وأبو نواس برعوا في الشعر وحده، وابن زيدون شاعر أعظم منه كاتبا، و (شوبر) الموسيقي العبقري كان لا يحسن غير الموسيقى، وأعظم رياضي في عهد نابليون (لابلاس) أخفق إخفاقا ذريعا في العمل الذي وليه.
وماذا نقول في الفكر العظيم (نيوتن) الذي اخطأ خطأ يدعو إلى الضحك حينما فتح ثغرتين، كبيرة وصغيرة، في بيته لقطتين عزيزتين عليه، بعد أن فكر في طريقة لهما الباب، وأخيرا أدرك خطأه واكتفى بالثغرة الكبرى لأنها تصلح لهما على التوالي؟.
لقد رأينا في بحث (التربية عند ابن خلدون) أنه يتبنى نظرية ابن العربي القائلة بـ (ألا يخلط على المتعلم علمان معا) ورأينا كيف أنه تصدى للدفاع عنها ووصفها بأنها من المذاهب الجميلة والطرق الواجبة في التعليم، وقد اشرنا إلى أن منشأ النظرية يعود إلى مذهب الملكات، ويتأتى لنا هنا أن نوضح هذه الدعوى، فبما أن الملكات صفات وألوان للنفس لا تتزاحم، لزم أن يقتصر على علم واحد، حتى لا يخدش ملكته الناشئة شيء يطعن في جودتها، كما اخبرنا أن ملكته الشعرية خدشها محفوظه من القوانين العلمية، ولا يجب أن يتبادر إلى الذهن أنه يدعو إلى ألا يعمل الشخص في حياته غير علم واحد يقتصر عليه دون سواه، فإن ذلك مما لم يقصده علامتنا، لأنه ليس من الغفلة بحيث ينسى أن العلوم يتوقف بعضها على بعض، يدلنا على ذلك تقسيمه للعلوم إلى: 1) آلية.2) ومقصودة بالذات كما رأينا، فدارس الآداب أو الحديث أو الفقه أو غيرها، لا تأتى له ذلك إلا إذا درس اللغة التي بها يستعد لتلقي عمله الذي يريد التخصص فيه، وهو إذا درسهما معا في آن واحد، فإن فكره سوف يكون مقسما بين علمين، وسوف لا يستطيع أن يبرز في أحدهما، ولذلك ينصح بعدم التوسع في العلوم الآلية (إذ المقصود منها ما هي
(1) راجع كتاب (في علم النفس) لحامد عبد القادر وعطية الابراشي ومحمد مظهر سعيد ج 1 ص 103.