فهرس الكتاب

الصفحة 3699 من 5287

إنتاجه الأدبي على طاقة التأثير في دائرة محيطه القومي، يعيش في (قوقعة) فردية بمعنى أنه سيظل على الدوام منتوجا سالبا بعيدا كل البعد عن أن يكون عاملا مؤثرا في توجيه الأحداث التي عاشها الإنسان الجزائري أو على الأقل التجاوب معها بحرارة وعمق.

وليس من اليسير الهين القول بأن انتفاضة الشعب الجزائري الجبارة يوم فاتح نوفمبر 1954 ضد واقع الاحتلال المتعفن، ليس من اليسير القول بأن احد العوامل الممهدة لها هو هذا الإنتاج الأدبي الجزائري الذي كتب بلغة مستعارة، فأثر في عواطف الجمهور الجزائري وخلق لديه حالة نفسية دفعته لأن يثور على واقعه وعلى أن يرفضه بعنف، وأنا على شبه يقين بأن الرفاق الجزائريين كتاب الفرنسية أنفسهم لا يستطيع أحدهم أن يبيح لنفسه الزعم بأن أنتاجه الأدبي قد مهد السبيل لقيام ثورة جزائرية هادفة لوضع حد لنظام استعماري استنفذ كل طاقاته لامتصاص مقدرات الشعب الجزائري على أوسع نطاق .. وهكذا لا إسراف في القول بأن هذا الأدب الهجين، ولد في عزلة وظل في عزلته بالنسبة للبيئة العربية التي لم يتح له أن يخرج منها، لحد الساعة وأن كان يبدو أن زمن خروجه من هذه العزلة قد حان وذلك بفضل المجهود الذي تقوم مؤسسة (دار اليقظة العربية) بدمشق بترجمتها ونشرها لجزء هام من هذا الإنتاج .. ومع ذلك ستظل قيمة هذا الإنتاج الفني منحصرة في دائرة تاريخية تصور وضعا اجتماعيا عاناة الشعب الجزائري، دون أن يتاح لهذا الأدب الارتقاء إلى مستوى التأثير في الأحداث التي تعقبه، وليس من تفسير لذلك سوى أن هذا الأدب ذاته لا يعدو أن يكون أحدى المضاعفات الناتجة عن النظام الاستعماري الذي ظل قائما في الجزائر خلال عقبة زمنية أو شكت على الانتهاء أو هي انتهت فعلا.

ولم تكن الجزائر المستعمرة لتنفرد بهذه الظاهرة أي ظاهرة وجود إنتاج أدبي من عمل أبنائها ولكنه جاء في لغة غير لغتها، لقد حدث للهند وبعض المستعمرات الأخرى في آسيا وإفريقيا ذات الشيء، غير أن الأدب الأصيل في الهند خلال فترة الاحتلال، والذي ارتفع في قيمته إلى المستوى العالمي لم يكن قد كتب بالانجليزية، بل كتب بلغة هندية وهذا هو السر في كونه ظل حيا تتجاوب معه الجماهير الهندية بتأثر بالغ، فالكاتب الهندي الكبير طاغور لم يكتب مجموع إنتاجه الأدبي الرائع باللغة الانجليزية مع أن هذه اللغة كانت هي السائدة، بل كتبه بلغة من لغات الهند ولعلها الأردية أو البنغالية، ومع ذلك فقد كتب طاغور بالانجليزية أدبا غير يسير إلا أنه لم يكن يحظى بتقدير القارئ الهندي على العموم، وثمة مثل آخر هو الفيلسوف الباكستاني الدكتور إقبال فقد كتب أروع إنتاجه الشعري والنثري بلغته القومية الأردية، فلو أن طاغور أو إقبال، كتب كلاهما باللغة الانكليزية لما كتب البقاء والخلود لإنتاجهما الأدبي في نظرا الإنسان الهندي أو الباكستاني، ولما أولاه كامل تقديره ولما تأثر به بالتالي، وليس معنى هذا أن الانجليزية أقل ثراء وقدرة في التعبير والتأثير، عن اللغات الهندية، ولعل العكس هو الشيء الصحيح، ولكن اللغة القومية تمتاز بكونها ترتبط بعواطف الجماعة وبتاريخها وآمالها، وما تضطرب فيه من مشاكل ومشاغل حياتية، وأنها تبعا لذلك أقدر من غيرها لأن تصور لنا هذه الأشياء جميعا ولان تسيطر على عواطف القارئ وتؤثر فيها بشكل لا تستطيع معه اللغة الأجنبية أن تفعله.

والأدب الذي صدر عن كتاب جزائريين استعماروا اللغة الفرنسية بتناول من غير جدال قضايا تهم الإنسان الجزائري في صراعه من أجل حياة أفضل، وهذا الأدب جزائري صرف وأن جاء في شكل فرنسي صرف أيضا، ومن ثمة أصبح هذا الأدب الهجين يتسم بميزة الازدواج من حيث الشكل والمحتوى، وأن كان رجال الأدب لا يميلون إلى إقامة تفرقة بين مضمون العمل الفني وبين الشكل الذي يرد عليه، لأنهم يرون أن الهيكل الفني هو كل لا يقبل التجزئة وذلك أن الأدب خلافا لفروع المعرفة الأخرى لا يؤمن بالمقاييس المادية عند الحكم عليه أو عند تحديد مدى جودته ورداءته، ثم عند التعرف على هويته والجهة التي يمكن أن ينسب إليها ومع ذلك فإن الأخذ بهذا الرأي قد يؤدي بنا إلى بعض المتاهات التي لا تستطيع فيها تلمس الطريق المؤدي إلى كشف هوية الإنتاج الفني الأدبي، ولا بأس هنا من الإشارة إلى بعض الأعمال الأدبية الخالدة التي جاءت على لسان أمة دون أن يكون لجوهر هذه الأعمال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت