فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
تعالى: «وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا» [الكهف: 54] ، وقال: «وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ» [هود: 118 - 119] ، وعليه فإن كان ولا بد من هذين - التنازع والجدال- فليكن ذلك بمعرفة وإحسان، قال تعالى: «وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... » [المومنون: 96] ، وقال: «وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» [العنكبوت: 46] من غير عداوة ولا بغضاء توصل إلى التدابر والقطيعة، بل بتسامح وعدل وإنصاف، شأن النفوس الزكية الطيبة، والقلوب الطاهرة النقية، وهذا غير بعيد على هذه وتلك، بل ما أسهل الإنصاف والرجوع إلى الحق على المسلم المتأدب بأدب الدين خصوصا بين المسلمين الذين آمنوا بالله ورسوله، امتثالا لأمر ربهم القائل لهم: «فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً» [النساء: 59] ، فأي خير هذا؟ وأي تأويل أحسن منه في المدخل والمخرج؟ ولكن -كما قال جل ذكره: «وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ» [فصلت: 35] في العلم والفهم، وذو قلب كبير في التسامح وطول الأناة.
فالرجوع إلى الله والرسول يكون في الشيء المتنازع عليه بين المسلمين، وأما الدفع بالتي هي أحسن فيكون مطلقا عاما مع المخالف وغيره، حتى مع الأعداء بما جاء في تمام الآية: «فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» [فصلت: 34] وفي أولها قال «وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ» وصدق الله، فهما لا يستويان أبدا شرعا وطبعا، فما أعظم آداب الإسلام، وما أجل أمره وحكمه.
جئنا بهذه المقدمة ونحن مقبلون على الخوض في معلومات ألفها الناس فاستقرت في بعض الأذهان، لا يبغون عنها حولا، شأن المقلد الذي لا يفهم، أو بالأحرى لا يريد أن يفهم، وبالأخص من كان يحسب أنه على شيء من العلم، والناس أعداء ما جهلوا، أو من جهل شيئا عاداه، كما يقولون.
نقول هذا مشفقين بلا منة ولا غرور، معترفين بما قال الله جل ذكره «كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ» [النساء: 94] ، وقد آمنا وتبينا، فلله المنة والحمد، على أن هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
اللهم زدنا هداية وتبصرة لاتباع الحق، وسلوك أقوم الطرق، وأحسن الأقوال.
ولندخل الآن في صميم الموضوع من الآيات الثلاث المصدر بها في عنوان هذا المقال، وهي قوله تعالى «إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ، لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» [الواقعة: 77 - 79] .
فأقول: إن هذه الآية الكريمة جاءت جوابا من الله عن قسمه العظيم الذي أقسم به قبل قوله جل ذكره «فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ» ، وذلك ردا على المشركين المكذبين، وإبطالا لزعمهم الباطل، إذ قالوا: إن القرآن الذي أتى به محمد r تنزلت به الشياطين.
وفي عرف مشركي العرب واعتقادهم من عهدهم بالملة الإبراهيمية: أن الشياطين أنجاس غير مطهرين. قالوا ذلك على سبيل الذم والتحقير من شأن القرآن ومن أتى به، فرد الله عليهم بقوله -الصادق الحق- في سورة الشعراء «وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ, وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ، إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ» [الآيات: 210 - 211 - 212] .
ولما كانت الشياطين أنجاسا حقيقة، فبالطبع لا يتنزلون إلا على أمثالهم من بني الإنسان، «الخبيثات للخبيثين» ، أنباهم الله بقوله آخر السورة نفسها «هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ، تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ، يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ» [الآيات: 221 - 222 - 2223] ، أما الملائكة المطهرون فهم لا ينزلون إلا على أمثالهم من صفوة البشر أنبياء ورسلا «والطيبات للطيبين» .
فالقرآن طاهر - وهو «فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ، مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرَامٍ بَرَرَةٍ» [عبس: 13 - 16] - لا يتنزل إلا على طاهر وذي نفس مطهرة من الله، قال تعالى: «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ» [الشعراء: 193 - 194] ، وفي آية أخرى: «قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ» [النحل: 102] .
والمراد بالروح في الآيتين: جبريل عليه السلام، وهو من الملائكة الذين طهرهم الله، وأين الملائكة المطهرون، من الشياطين الأنجاس؟، وأين الرسل المعصومون من الكهان الافاكين الأثماء؟.