فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع9 /مارس 1958 ص 50
يزدحم حول أعظم المدرسين شهرة. وكان لكثير من المدن لجزائرية الأخرى مدرسون يضاهون هؤلاء في الكفاءة. وكان معهد سيدي أبي مدين المؤسس سنة 1346 بتلمسان أشهر المعاهد العلمية في لمغرب العربي».
وفي هذا القطر المتمتع بثقافة عربية مزدهرة، في هذا القطر الذي تعددت فيه المراكز الثقافية الشهيرة بتلمسان ومزونة والجزائر وقسنطينة ووهران وبجاية وميزاب، جاء التدخل الأجنبي - كما يقول المؤلف الفرنسي بولار في كتابه عن التعليم القومي الجزائري - «محدثا اضطرابا عميقا في عالم المفكرين والمثقفين الجزائريين، فاضطر الكثير من العلماء أن يتخلوا عن مناصب التدريس التي كانوا يحتلونها، فلم يبق من المعاهد العلمية التي كانت تفوق الألفين قبل الاحتلال، غلا بضعة مدارس ابتدائية يتعلم فيها ما لا يزيد عن 30.000 طفل أي أقل من خمس عدد الطلبة قبل 1830.
ولكي تضمن الغدارة الأجنبية بالجزائر نتائج هذه الحملة التجهيلية في مدة وجيزة، عمدت على الاستيلاء على الأوقاف التي كان يصرف جانب عظيم من دخلها في نشر التعليم، غير مكترثة في عملها هذا بالصبغة الدينية التي تكتسيها هذه الأوقاف، وقاضية بذلك في آن واحد على اللغة العربية - الأداة الضرورية للثقافة القومية - وعلى الاستقلال الديني الإسلامي ورجاله الذين أصبحوا أعوانا لها تعينهم طبقا لمعايير خاصة بها، لا علاقة لها بالتقوى والمعرفة، بل بالصفات الخنوعية التزلفية، أو بكفاءات الوشاية البوليسية التي تلمحها فيهم.
ويحسن بنا هنا أن نستشهد بأقوال المؤلفين الفرنسيين في هذا الصدد، فالمسيو (بيرك) مثلا يحدثنا في عدد 44 من مجلة البحر المتوسط عن (المفاتي) الذين عينتهم السلطة الأجنبية في الجزائر، والذين كانوا - حسب قوله - يقومون في آن واحد بمهمة وشاة بوليسيين، وهم فوق كل ذلك جهال طماعون لا ثقافة لهم بالمرة ولا يشبعون أبدا من الرشوات.
وفي هذا الظلام اللاثقافي المرعب، الذي أسدله النظام الاستعماري على الجزائر، أخذت سائر المظهر الثقافية تذوى الواحدة تلو الأخرى، فالدراسات العربية منعت وأصبحت لغة الضاد غريبة في موطنها ضائعة بين أبنائها، والبحوث الإسلامية حرمت واضطهد من يجرؤ على العناية بها، وقلبت القيم الخلقية والفلسفية والاجتماعية الإسلامية، فأصبح الخضوع للسلطة الأجنبية، والصبر على البؤس والشقاء توكلا على الله ورضى بقضائه يثاب عليه في الدنيا قبل الآخرة، وانقلبت أدنى الوشايات وأقذرها فضيلة وطنية دينية، وانحطت القيم الدينية، وانحصرت في حركات تعبدية شكلية وصوفية مظهرية سخيفة، هي اقرب على الوثنية البدائية منها إلى روح الأديان السماوية، وظهرت طبقة من الكهنوت الانتهازي الجشع المتزلف، يستغل الأمة ويغلها ويخدرها، ويخلص علمه للطغاة الأجانب دون الله.
أما الفن المعماري والنحت على الخشب ونقش الحجارة والموسيقى وغيرها من الفنون، فقد نالها هي الأخرى نصيبها من المضايقات والاضطهاد، على أن سياسة التفقير المدبر المطرد التي سنتها السلط الأجنبية، جعلت من المستحيل على المواطنين أن يواصلوا نشاطهم المبدع في هذا الميدان، غذ اضطروا إلى تركيز اهتمامهم وجودهم في طلب قوتهم اليومي الذي أصبح مهددا غير مضمون.
وهكذا سجنت العقلية الجزائرية في سجن مظلم محكم من الجهل والبؤس واللاثقافة خانق مميت.
إلا أن لظلم الفكري وإن كان مدبرا لا يدوم طويلا، خاصة عند شعب ذي ماض مشرف في ميدان الثقافة مثل الشعب الجزائري، فبالرغم من الستار الحديد المضروب حول الجزائر لعزلها عن شقيقتها الناهضة، وعن العالم المتمدن، دوي صوت المصلح محمد عبده في أعماق الجزائر، وحركت أقلام النهضة الفكرية في الشرق العربي أوتار قلب الأمة العربية في الجزائر وأنارت فكرهان فظهرت حركة هجرة واسعة النطاق، هجرة متعلمين متعطشين لها حرموا من الثقافة نحو مختلف البلاد العربية، وخاصة مصر وتونس والمغرب، وكانت نتيجة هذه الهجرة ظهور نهضة ثقافية قومية منذ بعيد الحرب العالمية الأولى، اهتمت بإنشاء مدارس حرة من أموال المتبرعين من الأمة، مدارس كانت في حرب مستمرة مع السلط الأجنبية، التي كانت كثيرا ما تعتمد إلى إغلاقها، وهكذا بلغ عدد المدارس الحرة إلى ما قبل الثورة 50.000 تلميذ، إلا أن جل هذه المدارس قد أغلق اليوم واضطهد مدرسوها، وحتى طلبتها، واغتيل الكثير منهم، كالشيخ العربي التبسين واحمد رضى حوحو، وغيرهم.
تلكم كانت النتيجة المؤلمة التي وصلت إليها الثقافة القومية في الجزائر في عهد الاحتلال الأجنبي.
وإزاء هذا القتل المدبر للثقافة القومية، نجد تقتيرا مدبرا للثقافة الدخيلة بين التلاميذ الجزائريين.
فبينما يدخل كل الأطفال الأوربيين الذين بلغوا سن الدراسة في المدارس الابتدائية الفرنسية، لا يتمكن إلا 15 في المائة فقط من الأطفال المسلمين من الحصول على نصيبهم من التعليم الابتدائي، وفي المدارس الثانوية نجد 6.260 طالبا جزائريان مقابل 17.000 أجنبيا، أما في التعليم العالي فلا نجد غلا 557 طالبا جزائريا فقط مقابل 5.146 طالبا أجنبيا.