فهرس الكتاب

الصفحة 3971 من 5287

آيات سورة المائدة [الآية 2] ، وهي قوله تعالى ?وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ?

على أن شريعة الإسلام لم تقف عند هذا الحد في ميدان تحقيق الحق وإبطال الباطل، بل ذهبت إلى ما هو أوسع من ذلك، فهي تقتلع جذور الجور، وتجتث عروق الحيف وتبيد جميع الطفيليات التي قد تنال من ترعرع شجرة العدالة، وامتداد عروقها ليثبت أصلها، وتصعد إلى السماء فروعها، ويمتد ظلها، وتؤتي سلطتها كل حين.

لقد فرضت العدالة الإسلامية رقابتها حتى على الضمائر، ونادت قلوب المؤمنين طالبة الاستواء على ساق الجد والتيقظ في القيام بالقسط، وأداء الشهادة على وجهها الواقعي، وبكيفية ترضى الله وترضي الضمير، لا على المشهود عليه فقط، بل وعلى ذات الشاهد، وعلى نفسه التي بين جنبيه، وعلى أمه وأبيه وأقاربه الأدنين، وإن داعي الإيمان يوجب التصريح بالواقع المر، من الشهادة على النفس، وعلى الوالدين والأقربين، ولو كانت النتيجة ستنتهي إلى الإعدام وإنهاء هذه الحياة، ورضوان من الله أكبر.

فمن أعظم واجبات النظام الإسلامي-في بساط القيام بحق العدالة وأداء الشهادة- تناسي الاعتبارات كلها، التي منها التماس رضى الغني لغناه، أو مراعاة عاطفة الشفقة على الفقير لفقره، بل الواجب هو الانسحاب من ميادين هذه الاعتبارات كلها، وترك شأنها لله وحده، فهو أولى بالجميع، وإنما نحن مأمورون بإرضاء جانب العدالة، ومجانبة اتباع الهوى الذي قد يضلنا عن الحق وينكبنا طريق الصواب ويقودنا إلى هاوية الحيف.

يقول الله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا5? [النساء: 135] .

فأنت ترى من ختام الآية الكريمة، كيف سدت علينا جميع منافذ التملص عن القيام بالقسط وأداء الشهادة على وجهها، بحيث لا يتأتي فيها أدنى التواء أو تحريف أو إعراض عنها وكتمانها، مهددة المخاطبين على كل ما عسى أن يقع من التقصير في ذلك.

وإذا لوحظ سبب نزول الآية الكريمة فسيزداد ذو العقل السليم إعجابا بعدالة الشريعة الإسلامية، ويقر-طوعا وكرها- بأنها العدالة الوحيدة التي لا تقيم وزنا لأي اعتبار عنصري، ولا لأية عدواة دينية مهما ارتقت إلى أقصى درجاتها في الاستحكام والشدة، وإن الواجب يقضي برفع العدالة فوق كل اعتبار.

فقد ذكر المفسرون عن سبب نزول الآية الآنفة الذكر، أن شخصا -يدعى طعمة بن أبيرق- قد هم قومه بالدفاع عنه بالكذب والشهادة على يهودي شهادة زور باطل، وأنت ترى الآية قد ختمت -كما ذكرنا- بتهديد ترتعد له فرائض المتقين.

وبسبب هذه القضية نفسها ورد في القرءان الكريم، نهي عن المرافعة والدفاع عمن ثبتت إدانته وتحققت خيانته؛ قال تعالى: ?وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا هَاأَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً? [النساء: 105 - 109] . في حق من يا ترى قرر القرءان الكريم هذه الأحكام؟

إنها في حق قوم يرون أن جميع من سوى جنسهم وكل من ليسوا على ملتهم يباح لهم ماله، وأنه في إمكانهم تناول كل ما يملك متى سمحت لهم الظروف وسنحت لهم الفرصة -بدون خوف تبعة ولا توقع حرج- وقد بين القرءان الكريم نفسه سلوكهم ذلك في هذا الميدان بقوله: ?وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ? [آل عمران: 75] .

وللشريعة الإسلامية موقف حازم ودقة ملاحظة عند التطبيق واستيفاء حق العدالة حتى لا يتخذ التنفيذ شكلا صوريا أو يتخلله تقاعس، بل يكون التطبيق حقيقيا واقعيا لا هوادة فيه ولا شفقة تعتريه ولا تردد، وفي هذا المعنى يقول القرءان الكريم في شأن القيام بحد من حدود الله: ?وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ? [النور: 2] .

وقد ثبت في كتب السنة الصحيحة أن رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام قد أنحى باللائمة على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت