فهرس الكتاب

الصفحة 4033 من 5287

تنسينا شخصية المتحدث، بعد ذلك ينقلنا الى مرحلة اخرى ليصور لنا {ماسح الاحذية} وهو يعمل، وما نكاد ننسجم مع هذا التصوير حتى نفاجأ بالعدسة تتوقف، ليندخل الشاعر تسبقه تعليقاته وحكمه، وكانه يخشى ان نتوه بين دروب تلك الصور على قلتها. .

ان هذين المقطعين الاساسيين في القصيدة يظهران بوضوح تارجح الشاعر بين الاسلوب التقريري والاسلوب التصويري، واعتقد انه لم يوفق في المزج بينهما لانهما متناقضان، فكان ان بهتت ملامح الصور تحت ركام الاستنتاجات واستخلاص العبرة:

ايها الآمنون غدر الليالي والليالي تفح بالارزاء ان للدهر نكسة تسلب المغرور مااعتاده من النعماء

لقد قرات القصيدة فلم اتجاوب معها، بل اقتصر مفعولها على تنبيه حواسي الى التغنيم الموسيقي، وسلاسة الالفاظ، ولكن الانفعالات التي تحفر في الشعوب لتترسب فيه، ظلت مختفية، واعتقد ان تعليل ذلك_اعتمادا على قراءاتي الشعرية_يرجع الى انعدام {خصوصية التجربة} في قصيدة ماسح الاحذية فليس هناك خطوط متميزة تنقل الينا ملامح خاصة بذلك الانسان الذي رأآ امه تبكي ولا تجد ما تطعم به اخوته، فاخذ يواسيها ويؤكد لها انه سيساعدها ويخرج الى الشارع لينكب على ارجل {الاثرياء} ادعياء الفدا وهي اوصاف مفترضة لان كل من يمسح حذاءه ليس بالضرورة ثريا مدعيا للفدا!!

وكدليل يدعم انعدام خصوصية التجربة الشعرية في هذه القصيدة قول الشاعر على لسان {الفتى} :

طوحت بي الى الحياة وعرتني يداها من نعمة الاحياء روعتني بالثكل طفلا وما افجع فقد الابناء للاباء ورمت بي الى حياة رايت الحظ فيها بجانب الاقوياء وان ترعني الاحداث في فجر عمري رأيت الحظ فيها بجانب الاقوياء وان ترعني الاحداث في فجر عمري وتذقني مرارة البؤساء فهي اوهى من ان تنال يداها عزتي او تذل من كبريائي

ان هذه الخواطر يمكن ان يفضي بها عدد غير قليل من اشخاص المت بهم فترات ياس وقنوط، ومن الممكن جدا ان ترد_مثلا_على لسان عبد الله ابن الزبير وهو يحاؤر امه ويسر اليها بذات نفسه.

لعل من الفروق الاساسية بين الشعر التقليدي والشعر الجديد، اكتفاء الاول ب {تسجيل} المشاعر والاوصاف الحسية، ومحاولة الثاني {احياء} التجربة في النفوس عن طريق ايجاد صلة تعاطف قوية بين الاثر الشعر والمتلقي له، اساسها تكثيف اللحظات الشعورية ونقلها من {الداخل} باعتبار الشاعر عنصرا يعيش التجربة ولا يكتفي بالتفرج عليها نتيجة لذلك، نجد الشعراء {التقليديين} يستعملون كثيرا من الاوصاف والتشبيهات {الجاهزة} ، ولو جاءت غربية عن السياق النفسي للقصيدة، مثلهما نجد عند شاعرنا:

وراى في المقهى ثريا على تخت تمطى في نخوة الاثرياء يرشف الكأس في دلال ويرنو ويرنو للندامى باعين شزراء فتدانى اليه وهو يمني نفسه من حظوظ هذا اللقاء وانحنى فوق نعله كانحناء الغصن فوق الزهيرة الميساء

فهو هنا يتحدث عن الماسح الذي كان يتصيد الاحذية المتسخة بعد ان ودع امه المحتاجة، واخوته الباكين، وكل هذه الظلال لايمكن ان يغفل عنها، ثم يأتي الاستاذ الحلوي ليعقد علاقة تشبيه بين جانب مشرق_هو الغصن والزهيرة الميساء، وبين كتلة بشرية بئيسة تعتمل في داخلها عواطف البغض والكراهية لمجتمع لا يرحم او لقدر اعمى، اظن ان السياق النفسي لا يسمح بمثل هذا التشبيه. .

شيء ءاخر تعكسه قصيدة ماسح الاحذيةليصوغها في طابع تقريري جامد مثل قوله:

ايها الراكع المكب على الاقدام في وقدة الرمضاء

انت تحت الاقدام اسمى ولو كانوا جميعا من ساكني الجوزاء

ان حرص الشاعر على ان يواسي ماسح الاحذية في مصيره التعس، جعله يندفع في حماس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت