فهرس الكتاب

الصفحة 4060 من 5287

في إصدار الأحكام التي لم ينص عليها، وجعل الرضى بها شرطا في الإيمان"فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما"وأمره باتخاذ مجلس استشاري تشريعا لمن بعده، وتطيبا لخاطر أصحابه، يعرض فيه القضايا المتعلقة بسير الدولة من الناحية الدنيوية"وشاورهم في الأمر"غير أنه جعل له الكلمة الأخيرة في المقررات التي يتخذها هذا المجلس"فإذا عزمت فتوكل على الله".

وبهذا نعلم أن سلطته صلى الله عليه وسلم احتوت على أحسن ما في أنظمة العالم الحديث، مع الابتعاد عن عيوبها التي تعرضها للنسف والتحويل حسب الأهواء وإذا بحثنا عن نظام هذه الحكومة النبوية، فسنجد أن السلطات كلها كانت بيد الرسول خصوصية له، ومع ذلك كان له أكثر من اثنى عشر وزيرا يعينونه على تسيير شؤون الأمة أذكر منهم أبا بكر الصديق الذي كان بمثابة الوزير الأول. وعمر الفاروق الذي كان بمثابة وزير الداخلية. وعلي ابن أبي طالب الذي كان بمثابة وزير الدفاع وغيرهم ممن ورد ذكرهم في حديث ذكره ابن عبد البر في"الاستيعاب".

وحظى بوظيف أمين هذه الأمة"الكاتبالعام للحكومة"أبو عبيدة بن الجراح، وكان له (ص) ديوان مركب من أكثر من أربعين عضوا، ذكر أسماؤهم العراقي في ألفية السيرة، واصفا لهم بالكتاب، منهم من كان يكتب الوحي، ومنهم من كان يكتب أموال الصدقات، ومنهم من كان مكلفا بمراسلات الملوك، ومنهم من كان مكلفا بالمراسلات البدوية.

وكان على رأسهم كاتب خاص يتقن عدة لغات هو زيد بن ثابت.

وكان المسجد النبوي مقرا دائما لرياسة الحكومة وللقيادة العليا للجيش. وحظي بوظيف مدير الأمن قيس بن سعد بن عبادة فقد نعتته كتب السيرة بأنه كان بين يديه صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرطة.

وكان لرئيس الدولة نشاط كبير في كل ميدان من ميادين الحياة.

ففي الميدان الداخلي اهتم بنشر الأمن في البلاد التي اعتنقت الإسلام وتطهيرها من الأصنام وكل ما يفسد عقائدها، وبين أحكام القتل عمدا وخطأ، والسرقة والزنى وقطع الطريق، وحد الشرب، ما يضمن وما لا يضمن، والمرتد والزنديق، وقتال أهل البغي والقسامة والقذف واللعان.

وفي الميدان الخارجي نجده قد اهتم بدعوة ملوك الأرض وأمرائها إلى الإسلام، ووجه لكل واحد منهم سفيرا قام بمهمته أحسن قيام، وعقد معاهدات صلح وعدم الاعتداء مع من لم يقدر له الإسلام.

وخصص دارا لإقامة الوفود والبعثات التي تأتي لعاصمة الإسلام من الخارج، فكانت تنزل فيها الأيام المتوالية على نفقة الدولة، ووضع مبادئ العدل والمساواة ووضع أهدافها قارة للمعاهدات الدولية، وضمن حقوق الأقليات بشكل لا يوجد في غير الإسلام، وقضى على الميز العنصري، وسوى بين الأبيض والأسود والعربي والعجمي، ودعا إلى بناء السلام العالمي والحضارة الإنسانية، على أسس الأخوة الصادقة.

وفي ميدان الدفاع وجه سرايا لعدة جهات، وغزا غزوات، ووضع قوانين صارمة دعا فيها لاتخاذ وسائل القوة للدفاع عن المسلمين، ودفع كل خطر يهدد سلامة بلادهم داخلا وخارجا، حتى أنه واجب الجهاد على الذكر والأنثى والكبير والصغير ساعة فجأ العدو، واستعمل الدبابات والمنجنيقات والعرادات وكان يشجع الجندي المتزوج فيعطيه من الفيء حظين ويعطي للأعزب حظا واحدا.

وكان يقيم الاستعراضات العسكرية لإظهار قوة الإسلام وإرهاب الأعداء.

وفي ميدان التعليم نجد أنه أتى العالم بالقرآن الكريم الذي يعد أوسع دائرة للمعارف استفاد منها الناس، وبالحديث الذي هو تبيين للقرآن، ورغب في طلب العلم والإكثار منه وتوفير أهله، وجعل طلبه فريضة على كل مسلم، وفضله على العبادة والشهادة، وأمر بالرحلة في طلبه، وأمر بالتعلم في الصغر، وبعرض العالم نفسه على الناس، ووضع للعالم والمتعلم آدابا، وذم العالم الفاجر ومن تعلم العلم لغير الله، وبين أن العلم لا يغني ما لم يصحبه العمل، ووضع أصول العلم وحقيقته، وبين أن القول بالرأي يسبب الوقوع في البدع، وأمر بالاجتهاد على الأصول

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت