فهرس الكتاب

الصفحة 4082 من 5287

رسالة فليس هناك من شاعر) *ويقول محمود شريف: (الشعر عبقرية أو رسالة تولد مع الإنسان، وتشب وتكبر معه، حتى إذا نضج طغت على نفسه وقادتها وأنطقتها، والشاعر روح قدسي خلق للإنسانية بلسما على جرح الملكوم) *، ويفصل الشابي القول عن هذه الرسالة، متأثرا خطى المهجريين الذين كانوا يحسون الحاجة الملحة إلى فلسفة علوية، تقف في عالمهم الجديد جنبا إلى جنب مع الفلسفات المادية يظهرون بها روحانية الشرق السامية، فيرى أن الشعراء أنبياء يرتفعون بأرواحهم إلى آفاق فسيحة أرحب وأسمى من سماء البيئة المحدودة متغزلين بدنيا رائعة لم تخلقها الحياة إلا في أعماق قلوبهم الملأى ببهاء الكون ومثل الحياة العليا، ... وهم أولئك الموهوبون الذين يسبقون عصورهم فيغنون أشهر أغاني الجمال وأعذب أناشيد القلب البشرى لأجيال لم تخلق بعد، وهم أولئك الذين لا يصورون عادات العصر المتغيرة المتحولة بل عادات الحياة الخالدة على الدهر، ولا يصفون أحاديث الوعاظ والمتكلمين والمتفلسفين بل أحاديث نفس الإنسان التائهة في بيداء الزمان ولا يعلنون أسرار القصول والمجالس بل أسرار الأزل والأبد) *.

وأما عن الشكل فالحقيقة أن الشابي لم يتأثر بشعراء المهجر أو غيرهم من دعاة التجديد في بناء قصيدته، وإنما تأثر في ذلك بنفسه وحدها يسير مع خواطرها وأحاسيسها حتى يستنفذها، لا يهتدي في ذلك بغير فطرته السليمة وشاعريته المتقدة والحاجة الملحة إلى استنزاف قلبه ووجدانه. ومع ذلك فهو قد تبع المهجريين في العودة إلى المرشحات الأندلسية والإقبال عليها مع بعض التعديل في نظامها، وكان جبران يرى في تعدد أصواتها (ما يزيد في وقع القصيدة ومداها ويسترعي انتباه القارئ أكثر من صوت واحد) .

وفي إحدى الموشحات يقول متحدثا عن البحر:

يقظة الإنسان من خلف الحجاب

أنبتته الشمس من قلب التراب

قائلا في نفسه: العزم لي

في سكون الليل لما تثني

يصرخ الغاب: أنا العزم الذي

غير أن البحر يبقى ساكناولقد عدد الدكتور فروخ أشكال الموشحات عند الشابي فردها إلى سبع كل شكل منها يسير على نظام خاص في ترتيب القوافي والأشطار، ومن أشكاله قوله:

رفرفت في دجية الليل الحزين

زمرة الأحلام

فوق سرب من غمامات الشجون

ملؤها الآلام

شخصت لما رأت عين النجوم

بعثة العشاق

ورمتها من سماها برجوم

تكسب الإحراق*

وإذا كان الأسلوب عامة قد ينزل عند شعراء المهجر إلى مستوى لغة وضيع، نتيجة تساهلهم وبعدهم عن ديار العربية، وسعيهم وراء الرزق (الذي لم يترك لهم متسعا من الوقت للانصراف إلى التعمق في درس اللغة من حيث هي لغة، ولا للمطالعة الواسعة في آثارها القيمة) * فإن الشابي بحكم ثقافته العربية المتينة، لم ينجرف في تيار التساهل اللغوي مما جعل في شعره رونقا وأصالة لا نجدهما في كثير من الأحيان عند الأدباء المهجريين.

يتبع

باريس: عباس الجراري

* التجديد في شعر المهجر لمحمد مصطفى هدارة ص 78.

* نقلا عن"كفاح الشابي"لكرو ص 25.

* أنظركتابة (الشابي شاعر الحب والحياة) ص 149

* قصيدة: (في الظلام) ديوان ص 19.

* ميخائيل نعيمة، نقلا عن التجديد في شعر المهجر ص191.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت