فهرس الكتاب

الصفحة 4081 من 5287

ولوعدنا إلى ديوان الشابي وحاولنا حصر مواطن التجديد في شعره، وما يقابلها من مظاهر تجديدية في شعره، وما يقابلها من مظاهر تجديدية في الشعر المهجري لانتهينا إلى ثلاث نقط تنحصر في مفهومه وشكله وموضوعه.

أما عن المفهوم فلنصغ إلى الشابي وهو يخاطب شعره:

يا شعر أنت فم الشعور وصرخة الروح الكئيب.

يا شعر أنت صدى نحيب القلب والصب الغريب

يا شعر أنت مدامع علقت بأهداب الحياة

يا شعر أنت دم تفجر من كلوم الكائنات

يا شعر يا وحي الوجود الحي يا لغة الملائك

غرد فأيامي أنا تبكي على إيقاع نايك.

يا شعر هل خلق المنون بلاشعور كالجماد

لا رعشة تعرو يديه إذا تملقه الفؤاد؟

فيك انطوت نفسي وفيك نفخت كل مشاعري

فاصدع على قمم الحياة بلوعتي يا طائري*

والشعر عنده هو* ما تسمعه وتبصره في ضجة الريح، وهدير البحار وفي نسمة الوردة الحائرة يدمدم فوقها النحل ويرفرف حولها الفراش، وفي النغمة المفردة يرسلها في الفضاء الفسيح وفي وسوسة الجدول الحالم المترنم بين الحقول، وفي دمدمة النهر الهادر المتدفق نحو البحار، وفي مطلع الشمس، وخفوق النجم، وف يكل ما تراه وتسمعه وتكرهه وتحبه وتألفه وتخشاه)، وهو عنده (تصوير وتعبير وتصوير لهذه الحياة التي تمر حواليك مغنية ضاحكة لاهية، أو مقطبة واجمة باكية، أو وادعة حالمة راضية، أو مجدفة ثائرة ساخطة، وتعبير عن تلك الصور أو هاته الآثار بأسلوب فني جميل ملؤه القوة والحياة) .

والشعر عند نعيمة (هو غلبة النور على الظلمة، والحق على الباطل، هو ترنيمة البلبل ونوح الورق وخرير الجدول وقصف الرعد هو ابتسامة الطفل ودمعة الثكلى وتورد وجنة العذراء وتجعد وجه الشيخ، هو جمال البقاء وبقاء الجمال الشعر لذة التمتع بالحياة والرعشة أمام وجه الموت، هو الحب والبغض والنعيم والشقاء هو صرخة البائس وقهقهة السكران ولهفة الضعيف وعجب القوي .. هو الحياة باكية وضاحكة وناطقة وصامتة ومولولة ومهللة وشاكية ومسبحة ومقبلة ومدبرة*.

ولو أمعنا النظر في المفهوم عند كل من الأديبين لوجدنا تشابها كبيرا يكاد يمس الألفاظ: فالشعر عندهما هو شذو الحياة وتغريدها بما فيها من لمسات رقيقة ومشاعر إنسانية، وبما فيها من صدق وجمال، فبالحياة وللحياة يكون لحن الشعر وإشراقته وخلوده، وبالحياة وللحياة يتحرك وينفعل فيؤثر في القلوب والأرواح وكل ما يحس معانيها السامية الرفيعة.

ثم إن للشعر رسالة مقدسة على الشاعر أن يؤديها في إخلاص وصدق، وأن يذيعها كما نزلت عليه رفيعة طاهرة تمثل فيها نقاء الوجود وجمال الحياة، وما هذه المهمة أو الرسالة سوى إنارة الطريق للبشرية وقيادتها نحو المثل الأعلى في الحياة حتى يسمو أبناؤها عن شوائب الأرض، ويرتاحوا من عناء الدهر، ويرتفعوا إلى عالم روحي يشاطرهم ما يختلج في نفوسهم من نبضات حية وأحاسيس صادقة، فالشاعر كالنبي قائد روحي ينير السبيل أمام الإنسانية التي تحذو حذوه متتبعة خطاه، ومستضيئة بنبراس الفن الذي يحمله ليكشف به مجاهل الحياة ومخابئها، ويتحدث جبران عن هذه الرسالة فيقول: (إنما الشاعر رسول يبلغ الفرد ما أوحاه إليه الروح العام فإن لم يكن هناك

* قصيدة (يا شعر) ديوان أغاني الحياة، ص35.

* من رسالة بعث بها الشاعر إلى صديقه محمد الحليوي، نقلا عن زين العابدين السنوسي في (أبو القاسم الشابي حياته وأدبه) ص 53.

* الغربال: فصل (الشعر والشاعر) ص63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت