فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ومن الموضوعات التي تتباين في مقاييسها حتى الآن، أوجه الرأي بيننا، شكل الأجهزة الثقافية نفسها، ومسألة الحكم على شهادة كلية ما، بأنها نظير ثقافي لما يقابل تلك الشهادة من كلية أخرى.
ولا خلاف في صحة المعادلة بين الشهادات المتوازية، فيما يكفل لحملتها عموما نفس التقدير الاجتماعي والإداري، أما أن تعتبر الشهادات المتوازية بأنها جميعها مخولة من حيث مضمونها لنفس الدراسات لعليا، فذلك أمر له من الخطورة ما يتعدى أثره الأطر التعليمية ببلادنا، إلى مضامين الشخصية الثقافية ذاتها، عندنا، إذ أن مشروع معادلة الشهادات العلمية في بلد ما، لا يقتصر نتاجه على تلك الناحية الشكلية فقط، ولكنه يصور أيضا مدى تناسق تقييم الأمة للأشياء، وتحديدها للمعايير.
وإن قضية معادلة العالمية -أو الإجازة- في الشريعة مثلا بما يوازيها من شهادات كلية الحقوق، وكلية الآداب من التعليم الحديث لم تكن قضية تلفت الانتباه، لو أن المعادلة اقتصرت على الوجهة الإدارية منها، ولكن المعادلة أثارت دويا بين طبقة المثقفين، عندما اعتبرت أيضا من الوجهة التعليمية، ذلك أنها أتاحت للمجاز من التعليم الأصلي، ولزميله من التعليم الحديث، فرصة متساوية من المدة الزمنية، وفي العلوم الإنسانية من التعليم الحديث.
والذي يعنيه هذا المشروع، هو تخويل صاحب العالمية أو الإجازة الشريعة حق الالتحاق بقسم الدراسات العليا بالحقوق، وقسم الدراسات العليا بالآداب، وقسم الدراسات بالشريعة في حين لم يقيم المشروع الطالب المجاز في الأدب أو في الحقوق نفس التقييم.
وفهم المعنيون بهذا، أن تقييم المسؤولية للإجازة في التعليم الأصلي، يختلف تمام الاختلاف عن تقييمهم للإجازة في التعليم الحديث، وباجتهاد موضوعي منا في تعليل هذه النظرية المختلفة، يمكننا أن نلفي سببها في انحراف التقييم عن منهجه المعين له، إلى اعتبارات أخرى، ليس من بينها الناحية العلمية على الإطلاق.
فالذين أخرجتهم المعاهد الأصلية، كانوا في بداية تاريخ اليقظة الاجتماعية في المغرب خلال هذا القرن الأول من كشفوا عن جديتهم وعمقهم وقدرتهم على خوض كثير من معارك مجتمعنا الحديث، كما أن شهادتهم التي أجيزوا بما تشعر بأنهم مطلعون على التشريع الإسلامي -وهو من مواد كلية الحقوق الحديثة- -وعلى أسرار اللغة العربية- وهي من مواد كلية الآداب، ولا أقل في الاعتراف بالجميل لما أسداه أولئك الرواد، من أن تتاح لهم ولهؤلاء المحدثين من زملائهم فرصة حيل بينهم وبينها في عهد الطغيان الاستعماري، إذ أن حكومات الاستعمار الفرنسي -الاسباني- كانت تعرقل حياة هؤلاء الشباب، وتوصد في وجوههم سائر أبواب المعرفة، وترفض الاعتراف بالشهادة التي أفنوا من عمرهم اثنتي عشرة سنة دراسية للحصول عليها، ولا تسمح بمجرد نقل مدلولها في العربية إلى الفرنسية أو الاسبانية لغتي الإدارة، حتى لا يكون لها اعتبار في الوظيفة العمومية، ولا في الوسط المدرسي.
فالتفكير من المسؤولين إذن بعهد الاستقلال في معادة العالمية أو الإجازة في الشريعة، بما يوازيها في الطرف الآخر من التعليم الحديث، هو في حقيقته العميقة تفكير في رد الاعتبار الأدبي إلى العالمية بعد أن رد إليها اعتبارها المادي منذ فجر الاستقلال.
ولكن المعادلة في رأي المجازين في التعليم الحديث، ما كان لها أن تقيم نواحي التخصص العلمي بمعايير خارجة عن نطاق الجامعة، طالما أن الهدف من المعادلة هو إحلال مختلف الشهادات محلها اللائق بها في أشواط الثقافة الجامعية. وإذا فإن قبول إجازة التعليم الأصلي في قسم الدراسات العليا في التعليم الحديث هو إجراء لا يتوخى مستقبل الثقافة في البلاد، ولا احتياجات الإطار الإداري، وإنما هو حدث مخل بمعنى الحرية، والاستقلال السياسي اللذين أحرزنا عليهما بعد كفاح مرير، وإنه لمن مصلحة المجازين في التعليم الأصلي أن يستمروا في التخصص في نطاقهم الجامعي، لأنهم في كلية الشريعة أكثر كفاءة وإفادة، وأن التحاق إجازة الشريعة بالدراسات العليا في الحقوق، أو بالآداب، إنما هو ضرب من الفوضى الثقافية، والتحلل من المسؤولية، والخروج بالاختصاص عن سبيله، وهو بالتالي ضرر لن تعود آثاره الوخيمة على الفرد فحسب، ولكنها سوف تعم المجتمع الحديث، الذي نسعى إلى تكوينه، ولن تقوم للمجتمع قائمة إذا لم يهتم فيه كل بما يسر له، إذ أن التخصص والاهتمام به، والدقة فيه، هو عنوان التقدم السريع بمجتمعنا الحديث، وأن أي محاولة تخالف هذه القاعدة، مآلها إلى انحلال اجتماعي، وتدهور ثقافي، وانحطاط سياسي، وذلك فساد عانينا منه ما عنيناه، فيتعين تلافيه اليوم في عهد الاستقلال.