فهرس الكتاب

الصفحة 4093 من 5287

3 -مسابقة العوامل والمؤثرات التي تبيح لإسرائيل مجالا أوسع للبقاء والاستمرار، وتيسير الوسائل المادية والتنظيمية العربية التي تعين على اختصار قوة هذه العوامل، واختزال ما تنطوي عليه من طاقات وإمكانيات.

إن شعاعات من الوعي القوي الفعال قد استطاعت -بحق - أن تتسرب إلى عقلية بعض الأوساط العربية المسؤولة في هذا المضمار، وقد بدا -كنتيجة لتركيز هذا الوعي- أن بعض البلاد العربية قد طفقت تتخذ من مشاريع التوسيع العلمي والاستكشاف المختبري نهجا منظما متناسقا يجوز الاعتماد عليه كأداة للتطور الذاتي أولا وكوسيلة لتطوير أساليب العمل النضالي ضد الوجود الإسرائيلي من جهة أخرى.

ومن مظاهر هذا التطور العربي ما أخذ يبدو على حكومة الجمهورية العربية المتحدة من مزيد الاهتمام بمناحي البحث العلمي والمختبري، وبوادر الحرص على تنظيم مناهجه وتنمية طاقته الابتداعية الإيجابية، وكان من آيات العناية المبذولة في هذا المجال إنشاء وزارة فنية خاصة بشؤون العلم والبحث العلمي تستهدف تنوير الأوضاع العلمية، وإخضاعها لمقتضيات التطور الصناعي والتكنولوجي والاجتماعي في ربوع الجمهورية العربية والاستكشافية في كثير من مرافق الحياة ومناحيها كمركز البحوث القومي الذي يضم أكثر من ثلاثين وحدة علمية، وتتوافر له شبكات من التجهيز الفني العالي تتصل بميادين الكمياء والفيزياء وعلوم الحياة وغير ذلك، والمؤسسة العامة للطاقة الذرية التي تمتلك في ضاحية القاهرة مختبرا للفزياء النووية ومفاعلا نوويا وقسما للنظائر المشعة والكمياء ذات الطبيعة النووية بالإضافة إلى مراكز علمية متعددة ترتبط بشؤون الزراعة والطب وغير ذلك من فروع التخصص العلمي التطبيقي في مختلف الحقول والميادين. والواقع أن مثل هذه المظاهر من التطور العلمي التطبيقي في النطاق القومي العربي تنطوي بالفعل على مدلولات هامة في مجال الانبعاث العام الذي تتدفق تياراته في شرايين الأمة العربية إلا أن الذي يبدو واضحا أكيدا أن انهيار سياسة التخطيط العلمي هذه في إطار إقليمي وبحدود الأبعاد -بالرغم من توافر بعض الوسائل والممكنات- لا يمكن أن يؤدي إلى التوصل لإنجازات عربية عملاقة ضخمة تكون في مستوى التحدي العالمي والحضاري الذي تجسمه ظواهر التطور العالمي المعاصر، وتمتد مفاعيلها على مجموع أرجاء الوطن العربي مشرقه ومغربه.

وبعد إن تطورات الواقع العالمي حولنا من شأنها أن تؤكد مدى الأهمية التي يكتسبها التطور العلمي التطبيقي في وطننا العربي، وذلك في حالة ما إذا تم اخضاع ميادينه لتخطيط عقلاني مشترك يلائم الحاجيات العربية في مختلف الميادين الاجتماعية والاقتصادية والعقلية وغيرهما ويكون جديرا باستيعاب المشاكل العربية المعاصرة في صورها الإنسانية والمادية، هذا إلى كفايته في الإحاطة بالمقدرات والممكنات المتوافرة في العالم العربي وضبط استغلالها فيما يكفل النهوض بالإنسان العربي والأرض العربية في مختلف الحقول والميادين، ومن ملائمة الظروف إن هذا النوع من التعاون لا يجوز أن يصطدم بالتناقضات السياسية العربية إلا إذا كان ذلك تحت تأثير بعض العوامل المفتعلة التي قد لا يوجد لها أي مبرر معقول.

وهذه الحصانة التي تتوافر لمبدأ التعاون العلمي العربي أمام التعقيدات السياسية المختلفة هي -في واقع الأمر- ميزة عظيمة جدا تخول السير في طريق هذا التعاون إلى مدى بعيد حقا، والارتكاز عليه في ضمان فاعلية وتناسق التطور الاقتصادي والتكنولوجي والدفاعي والإنساني الذي قد يعرفه العالم العربي -مشرقه ومغربه- في غضون الأربعين سنة المقبلة أي قبل نهاية القرن الحالي (بمشيئة الله طبعا) فهل في الأفق العربي ما يوذن بإمكانية الإحساس ببعض عناصر التفاؤل في هذا المضمار؟ قد لا يبدو ذلك شديد الاحتمال كثيرا ولكنه -مع ذلك- ممكن جدا على كل حال.

سلا: المهدي البرجالي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت