فهرس الكتاب

الصفحة 4101 من 5287

التجارب فإنما أعني بها المواقف الفكرية والعاطفية التي وقفها الشخص أمام صور الحياة وألوانها المختلفة ووجوهها الكثيرة.

والحكم الأدبي يتطلب دقة في البحث، وتأنيا في الدرس، وتثبتا من خصائص المنقود، لوضعه في مكانه الصحيح، حتى لا تختلط القيم، وتضطرب الموازين، وتوضع الأمور في غير مواضعها، فيرفع من الأدباء من كان من شأنه أن يوضع، ويوضع من كان من شأنه أن يرفع، ولا ننسى ثقافة الناقد، فإنها من أسس النقد الأدبي، وهي عدة الناقد -إلى جانب الذوق الجميل- في الوصول إلى أحكام صادقة عادلة، فكم من أدباء ظلموا لأنهم ابتلوا بنقاد ليسوا من الثقافة الممتازة في شيء، فشوهوا مزاياهم، ومسخوا خصائصهم، وزوروا إقرارهم، وأساءوا إلى الحقيقة والتاريخ، وشر ما يبتلى به أديب ناقد جاهل، فمن يتصدى للقضاء الأدبي خليق به أن يتخذ العدة، ويستكمل الوسائل، من ثقافة صحيحة، وإطلاع واسع، وإدراك شامل لمشاكل الأدب والنقد، وتمكن من ناصية اللغة.

وشيء آخر، فالحكم الأدبي له ارتباط متين بالجو النفسي الذي عاش فيه الناقد عند إصدار حكمه، من انقباض أو انبساط من تفاؤل أوتشاؤم، من صحة أو مرض، من قلق أو استقرار، من صفاء أوكدر، وكل هذه الأجواء تلقي ظلالا كثيرة على أحكامنا الأدبية، وتعطيها لونها الخاص، لهذا قد يناقض الناقد نفسه في اليوم الواحد، تبعا لتطوراته النفسية، وقد يقرأ عملا أدبيا فلا يثير فيه كبير اهتمام فتمر بضعة أيام فيعيد قراءته، فيدهش أن يرى أن فيه نواحي جديرة بالاهتمام لم يفطن لها من قبل، فليكن الناقد على حذر من مزاجه وحالته النفسية، فكثيرا ما تفسد عليه عمله، وتجعله -عن غير قصد- يتلاعب بمصير الأدباء وإقرارهم، ومن هنا وجب الأخذ بمقاييس النقد الأدبي، ومحاولة التوفيق بينهما وبين الذوق الخاص بالناقد، نأمن الفوضى والاضطراب في تقرير مصير الأعمال الأدبية، وحتى نكون موضوعيين ما أمكن، نتخذ من تلك المقاييس ضابطا لأذواقنا المتباينة، وأمزجتنا المثقلبة.

ويخطئ الناقد خطأ فادحا عندما يحكم على أديب أو له بالسمو أو الانحطاط، مقتصرا على نموذج واحد من أعماله الأدبية، فالحقيقة أن شخصية الأديب ذات جوانب وأبعاد، وهذه لا تظهر في عمومها إلا بالنظر إلى كل ما أنتجه أو جله، والشخصة الأدبية إذا كانت لها جوانب قوية رائعة، فهي لا تخلو من جوانب أخرى ضعيفة باهتة، وإذن فالاقتصار على لون واحد من إنتاج الأديب قمين أن يجعلنا بعيدين عن الإلمام بشخصيته الكاملة، ومن هنا جاء ضعف النقد الأدبي العربي القديم، فغالبا ما كان يقضي للشاعر أو عليه بقصيدة من قصائده، بل ببيت من قصيدته، بل بشطر من بيته، أن ملامح الأديب تتوزع بين أعماله الأدبية. فإذا شئنا الإلمام بها كلها وجب أن نقرأ له جميع ما أنتج أو أكثره، وإذا امتنع عندنا أن نحكم على أديب بالنظر إلى أثر واحد له، فإن من الممكن أن نحكم على الأثر نفسه، منفصلا عن بقية الآثار الأدبية الأخرى لصاحبه، فأنا مثلا أقرأ كتاب (زهرة العمر) لتوفيق الحكيم، فإن لي أن أحكم له أو عليه، مستقلا عما عداه من كتب الحكيم الأخرى، ولكن لا أبيح لنفسي الحكم على توفيق الحكيم نفسه بالنظر إلى هذا الكتاب فقط، هناك فرق إذن بين الحكم على العمل الأدبي، وبين الحكم على الأديب نفسه.

والحكم الأدبي يجب أن يكون بعيدا عن الحسم والجزم، إذ الأحكام الجازمة القاطعة، من شأنها أن تغلق الباب أمام الباحثين الآخرين، وهي تسد الطريق على صاحبها نفسه، إذ لا يمكنه أن يغيرها بسهولة متى عن له خلافها، أو ظهر له أن فيها تجاوزا عن الحقيقة، الحكم الأدبي الجازم القاطع غل في عنق ماقيه، يفقده المرونة، ويجعل كلمة تخرج من فيه أو من سنان قلمه ضربة لا رب، نعم هو يستطيع أن يلغيها بجرة قلم، ولكن كم يكلفه ذلك من فقدان ثقة القراء بأحكامه، ومن وقوع في التناقض وتخبط في مزالق فكرية وعرة، وعلى هذا ليكن الحكم الأدبي مرنا محتملا للتغيير، قابلا للتحوير، لنفرض أنني مثلا عثرت على قطع أدبية لأديب ير معروف، فلو تصديت للحكم عليه من خلالها لألزمني أن أجعل حكمي من المرونة بحيث يمكن تعديله فيما لو اكتشفت له نماذج أخرى اقتضت إعادة النظر في أدبه على أسس جديدة فلو أني حكمت عليه حكما جازما قاطعها لصعب علي جدا أن أغير من أسس هذا الحكم.

وقد غإلى بعض نقاد الأدب، فذهبوا إلى ترك الأخذ بمبدأ الأحكام الأدبية، والاستعاضة عنها بذلك النقد التحليلي الوصفي الذي يكتفي بإبراز الصفات الفنية والعاطفية للعمل الأدبي دون أن يحكم لها أو عليها، تاركا أمر قبولها أوردها إلى أذواق القراء، وهم يستأنسون بأن التحليل المحايد يعوضنا عن الحكم بنعمة الدرس العميق، والتحليل الدقيق، ويحفف عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت