فهرس الكتاب

الصفحة 4102 من 5287

الأدب عبء الأحكام التي كثيرا ما تكون ارتجالية غير مبنية على نوع من البحث الجاد المخلص، ولكني أرى أن هذا النوع من النقد الوصفي لا بد أن يشي بذوق الناقد، وبموقفه من العمل الأدبي الذي ينقده، فيأتي حكمه حينئذ ضمنيا لا صريحا، بل نذهب إلى أبعد من ذلك فنقول: إن مجرد اختياره لعمل أدبي بالذات ليجعله موضوعا للنقد أو التحليل يتضمن حكما من نوع ما بالنسبة لهذا العمل، غير معقول اختار-مثلا- قصيدة لشوقي أو لمطران لأنقدها دون أن أكون قد أعطيتها نوعا من الأفضلية الضمنية، ومعنى هذا أني باختياري لها قد حكمت لها ضمنيا بأنها مما يستحق النقد، دعك من طريقتي في التحليل، وأسلوبي في إبراز الخصائص والسمات، وما يبدو من إعجابي ببعض الصور، وفتوري امام أخرى، فلغتي ولهجتي وكلماتي وما بين سطوري، كل ذلك يشي بموقفي من القصيدة، ويوحي بمكانتها عندي، مهما بذلت من جهد لأخفي حكمي على جمهور القراء.

وعندي أن الحكم على الآثار الأدبية أو لها أمر لا بد منه، وهو ضرورة تقتضيها أعراف النقد الأدبي وتوحيها الرغبة الملحة في وضع الأمور مواضعها، وتصحيح أوضاع الحياة الأدبية، فكم يملأ الكتب والمجلات الأدبية من أخطاء كثيرة في الأراء والمذاهب والاتجاهات، فلو لم يكن لها النقاد بالمرصاد ليبرزوا منها الصحيح والزائف، والأصيل والمموه المزور، لتفاقم أمرها، ولأصبح الأدباء المنتجون في منجى من هيبة محكمة النقد التي ترد الأمور إلى نصابها، وتصحح الأوضاع، وتصون القيم، وتحفظ للأدب حرمته أن يعتدي عليها معتد زائف، بالأمس القريب طلع الدكتور طه حسين على الناس بفكرة أطاحت بالنشاط الأدبي لدى العرب الجاهليين، وأنكرت كل ما ينسب إليهم من شعر، فأي ضرر كان سيلحق تاريخ الأدب العربي لو لم يقل النقد كلمته في الموضوع، ويبين ما في الفكرة من خطأ فاضح؟ إذن فلا بد من الحكم، وكل ما نطالب به الناقد أن يجنب أحكامه الجزم والقطع والتعميم، ما دام الأدب لا يعرف الكلمة الأخيرة في مسألة من مسائله كما هو معروف.

والأحكام الأدبية نوعان: نوع صادر عن النقاد المتخصصين الذين انصرفوا إلى هذه الصناعة فحذقوها وألموا بدقائقها ووقفوا جهودهم عليها، فكانوا كالصيارفة الذين تربت فيهم المقدرة على التمييز بين الدرهم الصحيح والدرهم الزائف، ونوع صادر عن الجمهور الذي يحتوي على أصناف متباينة من القراء من حيث شكل الثقافة ومداها ونوعيتها ووجهتها، وقد استقر الآن في أذهان الباحثين أن حكم الجمهور على عمل أدبي لا يصح أن يكون مقياسا لتقديره ووضعه في مكانه اللائق به، كما أن شدة إقبال الجمهور على عمل أدبي وإعجابه به، ليس دليلا دائما على سموه واستحقاقه للبقاء، ذلك أن أوسع الآثار الأدبية انتشارا لدى الجمهور هي تلك التي غالبا ما تتملق غريزة، أو تدعو إلى بدعة في الحياة، أو تتناول قضية من قضايا الساعة، فتكون قيمتها موقتة، فإذا ما مرت أسباب الافتتان بها أصبحت منسية مهملة، ولكنا في الوقت الذي نقول فيه هذا الكلام يجب أن نعترف بأن الجمهور قد يعجب بأثر أدبي عظيم حقا وقد يستمر إعجاب الأجيال به آمادا طويلة، ولكن نادرة هي تلك العبقرية الأدبية التي تستطيع أن تخلق من الأعمال الأدبية ما يجمع إلى عمق الفكرة وسمو الوسيلة، القدرة على التسلل إلى قلب الجمهور والاستحواذ عليه.

فالحكم الذي يصدره الجمهور على عمل أدبي -بناء على ما تقدم- لا يصح الأخذ به، طالما أن الجمهور -وأغلبه من القراء العاديين- تأتي أحكامه مرتجلة، وبعيدة عن الدقة والتحقيق الجديرين بالناقد الحق، وللأدبية المصرية سهير القلماوي رأي في هذا الموضوع، وهو أن الجمهور يصح أن يؤخذ رأيه في الفن الأدبي ذي الصبغة الاجتماعية كالمسرحيات، ذلك أن هذه تتجه بطبيعتها أولا إلى الجمهور، لتنشر فيه فكرة أو تثير عاطفة معينة، ولكني أعقب على هذا الرأي بأن الجمهور لا يدرك من المسرحية إلا أقل جوانبها شأنا، وهو الجانب الحسي، فالحركة الحسية التي قوامها الإشارات وسلسلة الأعمال التي تتوالى على أنظار الجمهور، هي التي تستبد باهتمامه وانتباهه، وكلما كانت هذه تمثل ما يجري في الحياة تمثيلا صادقا كلما اشتد إعجاب الجمهور بها، ولكن الجمهور لا يقف ليتساءل عن العناصر الفنية للمسرحية، هل بينها انسجام أولا، وما مبلغ البناء الفني فيها من التنسيق والجمال، وعن أسرار الحوار، -وهو العمود الفقري للمسرحية- وما مبلغه من القدرة على رسم الشخصيات، وخلق الجو، وإلقاء الظلال، وما مكانة هذه المسرحية بالذات بين أعمال الأديب الذي أنتجها، وهل كان فيها مبتكرا أو مقلدا، وهل قفز بها إلى الأمام أو ارتد إلى الوراء، أو وقف عند مستواه المعهود، ثم ما مكانة مسرحيته بين ألوان الإنتاج المسرحي في الأدب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت