فهرس الكتاب

الصفحة 414 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 ص 25

وقال القرافي سد الذرائع معناه حسم مادة وسائل الفساد دفعا له، فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلة للمفسدة منع مالك من ذلك الفعل في كثير من الصور.

وقال أيضا: موارد الأحكام على قسمين، مقاصد وهي المنضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، ووسائل، وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحليل وتحريم، غير أنها اخفض رتبة من المقاصد في حكمها، والوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل.

ومستند تشريع الذرائع القرآن في قوله تعالى (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) فنهى الله عن سب المعبودات من دونه، وان كانت عبادتها باطلة، حتى لا يكون ذلك سببا باعثا لعبادها المشركين على سب الله، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من الكبائر شتم الرجل والديه، قيل وهل يسب الرجل والديه؟ قال نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه) فقال العلامة ابن بطال المالكي شارح البخاري: (أن هذا الحديث أصل في سد الذرائع) ولابد أن يبقى الشخص ستارا بينه وبين الحرام الممنوع، فالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه.

وقد اعتبرت الشريعة حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال من المقاصد، فما يؤدي إلى الإخلال بهذا الحفظ أو إلى تضييع هذه الأشياء من الوسائل القريبة المقصودة ممنوع فيها، وما يؤدي إلى صيانتها حتى تؤدي مهمتها على أحسن الوجوه مطلوب ومحمود.

فمن حفظ العرض، منع الزنى وتحريمه، ومن حفظ العقل تحريم ما يفسده أو يعطل موهبته من الخمر التي هي جماع الإثم، و قد شن الإسلام على الخمر حربا شعواء فحين حرمها الله اهرق أهل المدين الخمر التي كانت محفوظة عندهم، حتى جرت سكك المدينة بها كما في الحديث، ولما تحاقر بعض الجيش عقوبة شاربها فتهافتوا عليها، استشار عمر الصحابة فجعلوا عقوبة شاربها ثمانين جلدة، وقد أخرب عمر حانوت رويشد الثقفي، الذي كان يبيع الخمر، وقال له إنما أنت فوسيق لست برويشد، واحرق على بن أبي طالب قرية كان يباع فيها الخمر؛ وقال ابن تميمية: انه يجوز للإمام أن يخرب المكان الذي يباع فيه الخمر، قال، وقد نص على ذلك احمد وغيره من العلماء، وقد كان بعض الأمراء يفعلون هذا، ففي مادة (مخر) من كتاب لسان العرب لابن منظور، «قال زياد حين قدم البصرة أمير (ما هذه المواخير الشرب عليه «كذا» حرام حتى تسوى بالأرض هدما وإحراقا) ومن نكت الحافظ ابن حزم على شارب الخمر (ما رأينا شيئا فسد، فعاد على الصحة، إلا بعد اللتيا، فكيف بدماغ يتوالى عليه السكر كل ليلة: وان عقلا زين لصاحبه تعجيل إفساده كل ليلة لعقل ينبغي أن يتهم) وكان يوسف بن تاشفين يعيب على ملوك الطوائف بالأندلس تواكلهم وإهمالهم للدفاع عن البلاد، وإخلادهم للذات والراحة، فيقول إنما همة احدهم كاس يشربها وقينة تسمعه ولهو يقطع به أيامه).

وقد حرم الإسلام ثمن الخمر كما حرم مهر البغي أي اجر الزانية.

أثمان الخمور والمصالح العامة:

وإذا باع مسلم خمرا، أو أخذت الزانية عن زناها أجرا، فلا يحل لهما ذلك، بل تصادر هذه الأموال كعقوبة لهما، وتصرف في مصالح. قال شيخ الإسلام بن تيمية في فتاواه: ومن باع خمرا لم يملك ثمنه، فإذا كان المشتري قد اخذ الخمر فشربها، لم يجمع له بين العوض والمعوض، بل يؤخذ هذا المال فيصرف في مصالح المسلمين، ما قيل في مهر البغي، وحلوان الكاهن، وأمثال ذلك مما هو عوض عن عين أو منفعة محرمة إذا كان العاصي قد استوفى العوض).

وعلى هذا يمنع شرب الخمر وتعاطي الزنى، ويعاقب فاعلهما، وتصادر الأموال المبذولة فيهما لصرفها في المصالح، وقد تهدم أمكنتهما، وإذا كانت تهدم الأمكنة الموجودة فبالأحرى لا يسمح بإنشاء أمكنة مفقودة.

وهنا تأتي قاعدة درء المفاسد، ومنع وسائل الشر عموما، وقد ذكر فقهاء القانون الإسلامي قضايا كثيرة من هذا النوع، فمنعوا من كراء الأماكن لبيع الخمر أو للذين يتخذونها مجمعا للفساد سواء كانوا من أهل الإسلام أو لا؟ لان الزنى حرمته جميع الشرائع السماوية، وقد كان الاحتياط في العصور الأولى حتى في سكنى العزاب، فكان عمر بن الخطاب يأمر بان لا يسكن العزاب بين المتأهلين، وان لا يسكن المتأهل بين العزاب، وثبت في الصحيحين أن النبي نفي المخنثين وأمر بنفيهم من البيوت، خشية أن يفسدوا النساء، كما في فتاوى ابن تيمية، فقاعدة منع وسائل الشر مطردة.

وقد أورد القرافي قضية استشكال اخذ الجزية من الكفار، وإقرارهم على كفرهم، حيث يجوز هذا ولا يجوز اخذ العوض للتمادي على الزنى وغيره من المفاسد، وأجاب بان قاعدة اخذ الجزية هو من باب التزام المفسدة الدنيا لدفع المفسدة العليا، وتوقع المصلحة العليا، بيانه إن الكافر إذا قتل انسد عليه باب الإيمان، إلى أن يقول: فشرع الله الجزية رجاء أن يسلم في مستقبل الأزمان لاسيما مع اطلاعه على محاسن الإسلام وإلا لجاء إليه بالذل والصغار في اخذ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت