فهرس الكتاب

الصفحة 415 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 ص 26

الجزية، فإذا اسلم لزم منه إسلام ذريته فاتصلت سلسلة الإسلام من قبله بدلا عن ذلك الكفر، وان مات على كفره فنحن نتوقع إسلام ذريته المخلفين من بعده، وكذلك يحصل التوقع من ذرية ذريته على يوم القيامة، وساعة من إيمان تعدل دهرا من كفر.

وهذا التعليل صحيح، يشهد له الواقع، وقد اقترح قتل أسرى غزوة بدر على الرسول، فقال إني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده ولا يشرك به شيئا، واخذ منهم الفداء فتحقق رجاء الرسول.

ضمان الحرية الدينية لأهل الذمة والمعاهدين:

وقد صالح كثير من اليهود والمسيحيين والمجوس الفاتحين المسلمين على أساس البقاء على دينهم وما يأمرهم به من اعتقاد وطقوس دينية وما يحله لهم من مطعم ومشرب وملبس وتقاليد، فوفى لهم المسلمون بشروطهم.

ضريبة الاستيراد والتصدير عامة على أهل الذمة وغيرهم:

ولا مندوحة لبلد تجلب إليه النجارات وتصدر عنه، من اخذ ضريبة عنها، هذا ما وقع منذ زمن عريق في القدم، وإذا كان بعض الناس يأنفون من ذلك ويستنكفون فان استنكافهم في غير محله، ففي كتاب الخراج لأبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة رحمهما الله عن ابن سيرين قال (أرادوا أن يستعملوني على عشور الابلة(اسم موضع) فأبيت، فلقيني انس بن مالك فقال ما يمنعك؟ فقلت العشور أخبث ما عمل عليه الناس، فقال لي لا تفعل، عمر صنعه، فجعل على أهل الإسلام ربع العشر، وعلى أهل الذمة نصف العشر، وعلى المشركين ممن ليس له ذمة عشر) وقد تكرر هذا التقدير في الكتاب المذكور، وعلى أساس هذا ذكر الأستاذ الكبير السيد العزيز بنعبد الله في تعليقه على كتاب الدكتور الحبابي (الحكومة المغربية في فجر القرن العشرين) الذي نشرته «العلم» : (انه كان للخلفاء الأولين الحق في إصدار القانون، فهذا عمر بن الخطاب يحدث لأول مرة ضريبة الإيراد والاستيراد) ولكن في بعض الروايات الموثوقة بها، أن عمر اقر شيئا كان موجودا قبله، ففي الموطأ، عن مالك، انه سأل ابن شهاب: على أي وجه كان يأخذ عمر ابن الخطاب من النبط العشر؟ فقال ابن شهاب: كان ذلك يؤخذ منهم في الجاهلية فألزمهم ذلك عمر.

إذا علمنا كل هذا فكيف يكون العمل في شان الخمر والخنازير والميتة التي ينتفع بها، هل تترك بدون ضريبة وعشر، فتعظم تجارتها ويكثر رواجها برخصها، وتحرم خزينة الدولة منها؟ أم يفرض منعها على أهلها الخارجين عن الإسلام؟ ومن كانت تجارته من أهل الذمة في الخمر والخنازير هل يعفى من دفع الجزية لان تجارته في أشياء يحرمها الإسلام؟

لقد اختار عمر أن تؤخذ الجزية والعشر من أثمان الخمر أو غيره، على أن لا يتولى المسلمون بيع ذلك، بل يولون أهل الخمر والخنازير والميتة بيعها، ويقبضون منهم النسبة المطلوبة، سواء كانت عشرا، أو نصف عشرا، أو جزية ويقع تقويم الخمر والخنازير كسلعة في باب المعشرات على يد أهل تلك التجارة لهذا الغرض، فروى أبو يوسف عن عمر بن شعيب إن أهل منيج (قوم من أهل الحرب وراء البحر) كتبوا إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: دعنا ندخل أرضك تجارا وتعشرنا، فشاور عمر أصحاب رسول الله في ذلك فأشاروا عليه به، فكانوا أول من عشر من أهل الحرب، وفي الكتاب المذكور أيضا (وإذا مر أهل الذمة على العاشر بخمر أو خنازير، قوم ذلك على أهل الذمة، يقومه أهل الذمة، ثم يؤخذ منهم نصف العشر، وكذلك أهل الحرب إذا مروا بالخنازير والخمور فان ذلك يقوم عليهم ثم يؤخذ منهم العشر) .

قال (أي أبو يوسف) : وحدثنا إسرائيل عن يونس عن إبراهيم بن عبد الله الأعلى قال سمعت سويد بن غفلة يقول: حضرت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد اجتمع إليه عماله، فقال، يا هؤلاء انه بلغني إنكم تأخذون في الجزية الميتة والخنزير والخمر. فقال بلال: اجل أنهم يفعلون ذلك، فقال عمر: فلا تفعلوا، ولكن ولوا أربابها بيعها وخذوا الثمن منهم. قلت وهذا يدل على أن لأهل الذمة أن يتداولوا هذه الأشياء بالبيع والشراء كما اقروا على أن يتناولوها بالأكل والاحتساء.

التعشير التجاري المتماثل:

وروى يوسف عن عاصم بن سليمان عن الحسن قال: كتب أبو موسى الأشعري على عمر بن الخطاب أن تجارا من قبلنا من المسلمين يأتون ارض الحرب، فيأخذون منهم العشر، فكتب عليه عمر خذ أنت منهم كما يأخذون من تجار المسلمين.

وما دمنا نعايش من يأكلون الخنازير ويشربون الخمور، فليس من المصلحة أن يعفوا من ضريبة تجارتها، وإنما المصلحة أن نحمي المسلمين من شربها وآفاتها، ولوزادت الحكومة في ضريبتها حتى تبلغ المائة في المائة، لكان في ذلك خير لخزينة الدولة، وحماية للضعفاء من شربها أو من كثرة شربها على الأقل، وبعض الشر أهون من بعض والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت