فهرس الكتاب

الصفحة 4159 من 5287

والحد الأوسط الذي يوصلنا إلى ذلك هو هذه الفكرة"وجوب استعانة المتقدم بالمتاخر"هذه الفكرة هي المفتاح السري في يد ابن رشد. ولنر كيف يتم ذلك.

اذا كنا وصلنا إلى نتيجة صحيحة وهي وجوب معرفة القياس العقلي شرعا، فينبغي ان ننظر إذا كان المتقدمون قبلنا قالوا شيئا في هذا القياس وقرروا احكاما ووصلوا الى نتائج.

فان لم نجد من ذلك شيئا وجب علينا ان نبدأ بالفحص عنه بأنفسنا. وانظر كيف يمهد ابن رشد الطريق امام الهدف الذي جعله نصب عينيه من هذا البحث كله. يقول ابن شد متابعا كلامه"وان يستعين في ذلك المتأخر بالمتقدم حتى تكمل المعرفة به (6) ، فإنه عسيرا أو غير ممكن ان يقف واحدا من الناس من تلقاء نفسه وابتداء على جميع ما يحتاج اليه في ذلك، كما أنه عسيرا أن يستنبط واحدا من الناس جميع ما يحتاج اليه من معرفة أنواع القياس الفقهي، بل معرفة القياس العقلي احرى بذلك"ص4.

م هذا يستنتج وجوب الاستعانة بما قاله المتقدمون في هذا الأمر. وهويقصد بذلك منطق اليونان خاصة، اذ يمكن ان تبدو صعوبة جديدة، وهي أن أصحاب هذه الآلة الذين سنأخذ عنهم العلم بها قد يكونون غير مشاركين لنا في الملة (( أي من غير ديننا) . ولكن هذه المشكلة محلولة في نظر ابن رشد، اذ"الآلة التي تصح بها التذكية (كما في نحر الضحية مثلا، أو الاناء الذي يغتسل به في الوضوء) ليس يعتبر في صحة التذكية بها كونها آلة المشارك لنا في الملة أو غير مشارك، اذ كانت فيها شروط الصحة (ص4) هكذا الأمر في آلة العلوم التي هي المنطق، وابن رشد يقول أنه يقصد بغير المشاركين نا في الملة"القدماء قبل ملة الإسلام"ولا شك انه يتجه بنظرة الى اليونان خاصة، فيجب أن نستعين اذن في هذه الآلة بما قاله المتقدمون، فما كان موافقا منها للحق فبلناه وما كان مخالفا نبهنا عليه."

وكذلك نفعل -متى فرغنا من النظر في الآلة- في الفحص عن الموجودات، أي في صميم الفلسفة، فقاعدة استعانة المتأخر بالمتقدم تطبق هي نفسها أيضا هنا"اذ صناعة أصول الفقه، والفقه نفسه لم يكمل النظر فيها الا في زمان طويل. ولو ران إنسان من تلقاء نفسه أن يقف عى جميع الحجج التي استنبطها النظار من أهل المذاهب في مسائل الخلاف التي وضعت المناظرة فيما بينهم في معظم بلاد الاسلام ما عدا المغرب لكان أهلا لان يضحك منه .. ص5."

فيجب اذن، اذا وجدنا للمتقدمين نظرا في الموجودات، ان ننظر فيه ونستعين به- وذلك كما سبق في المنطق - على شرط ان"ماكان منها موافقا للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم .. ص6".

وهذا قول يدل على ما كان يتمتع به ابن رشد من مرونة فكرية - وهو يدحض القول الذي يدعي ان ابن رشد كان مستعدا دائما لأن يتبع معلمه ارسطو في كل ما يقوله. ومما يؤكد هذا قوله السابق: ان المعرفة تكمل -ويجب ان نلح على كلمة تكمل- باستعانة المتأخر بالمتقدم. فهذا يتنافى مع اعتبار أن ما جاء به أرسطو هو الكامل النهائي. ومع ذلك لا يمكن إنكار إعجاب ابن رشد بأرسطو. ولكن المستبعد هو تقليده الأعمى له. وكذلك لا يمكن إنكار أن الفلسفة التي تعني ابن رشد بجعلها موافقة للدين هي الفلسفة الأرسطية. وذلك بطبيعة الحال لأنها مذهبه الفلسفي الشخصي، الذي كان يؤمن به، والذي أضاف إليه الكثير من عنده، وهذه النقطة يتفق فيها جميع الفلاسفة العب من أصحاب المذهب اليوناني.

الرباط عبد اللطيف ملين

(6) يذكر غوتييه ان هذا القول يذكر بنظرية باسكال في اعتباره الانسانية من ناحية المعرفة شخصا واحدا يتكامل، وهذا القول من ابن رشد يدحض أيضا ادعاء انه كان مقلدا اعمى لارسطو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت