فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
تلكم خواطر طالما كبحت نفسي عن الكتابة فيها، ملتمسا لأمثال هؤلاء الخطباء بعض الأعذار -أو على الأصح منتحلا لهم إياها- حتى كنت الأسبوع الماضي مدعوا لوليمة غذاء في إحدى ضواحي طنجة زوال يوم الجمعة، وكان من جملة المدعوين تلميذان احدهما بمدرسة ابتدائية أمريكية، وثانيهما بمدرسة ثانوية مغربية، وقد ـأديا صلاة الجمعة في المسجد الجامع في المسجد الجامع بتلك الضاحية صحبة والد الأول وعم الثاني، وعندما جمعتنا الوليمة المذكورة مع من جمعتنا بهم نطق الثلاثة بلسان واحد متسائلين: هل صحيح أن الرسول (ص) قال ما معناه: أن الفقراء سيدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام؟ قلت: من قال لكم ذلك؟ قالوا: ان السيد خطيب الجمعة قد روى ذلك عنه (ص) مؤيدا هذه الرواية معضدا إياها. قلت: أن الذي أعلمه من دراساتي الإسلامية وفهمي لروح الشريعة المحمدية ان الله فضل- بنص القرآن- بعض الناس على بعض في الرزق، وأن الغنى أو الفقر ليسا المقياس الذي به توزن أعمال العبد التي ترشحه أما للجنة وأما إلى النار، بل المقياس الصحيح هو التقوى: (ان أكرمكم عند الله اتقاكم) مضافا إليها العمل الصالح ورضى الله ورحمته، يقول الرسول عليه السلام:"والله لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يارسول الله، قال نعم، إلا أن يتغمدني الله برحمته".
وإذن فقد تساوى الغني والفقير في هذا المضمار، وبقي أن نذكر ان جميع الديانات السماوية- وخصوصا الدين الإسلامي- اعتبرت"المال"من المصالح الضرورية التي بعث الرسول من أجل المحافظة عليها وتحصينها لكون الحياة تتوقف عليها، ولا تستقيم إلا به، وهذه المصالح خمس كما نصت عليه كتب أصول التشريع الإسلامي، وهي المحافظة على كل من: النفس، والنسل، والدين، والعقل، والمال، ولأجل المحافظة على المال مثلا شرعت التجارة والصناعة وغيرهما، ومن أجل الدفاع عنه شرع حد السارق وما أشبهه. ومن جهة أخرى فقد ثبت عن الرسول (ص) قوله:"اليد العليا خير من اليد السفلى إلى يوم القيامة"وقد فسرت اليد العليا بأنها"المعطية"، وفسرت اليد السفلى بأنها"الآخذة".
وبناء على كل هذا يكون الغني -اذا كد وتعب حتى اغتنى بالحلال، وهو مع ذلك لا يترك سانحة لفعل الخير والبر تمر الا واقتنصها ارضاء لله، واهتداء بهديه- أحب إلى الله واقرب اليه من كثير غيره.
وعلى أية حال فان الذي يجب أن يفهمه السادة خطباء المناسبات الدينية عندنا ان ظروف المغرب التي يجتازها الآن، وما يعانيه حكومة وشعبا من أجل القضاء على البطالة والتخلف الاقتصادي وما شابههما، يستلزم من هؤلاء السادة- مربي الجمهور وموجهيه- كثيرا من الذكاء واللباقة في اختيار الموضوعات ومعالجتها، وأن يتجنبوا كل ما من شأنه بعث الخور في النفوس أو الارواح أو العقول، وأن يقدما الإسلام ومبادئه الى الناس- وما اكثر البسطاء السذج فيهم، في اطاره النقي"محجة بيضاء، ليلها كنهارها، مازاغ عنها أحد الاهلك".
وليس لهؤلاء السادة أن ارادوا تحقيق ذلك الا سبيل واحدة: هي الرجوع أولا وقبل كل شيء الى القرآن المجيد، ومحاولة فهمه في نصه وروحه، ثم الى السنة النبوية الطاهرة، يستأنسون منها بما لا يتعارض مع القرآن شكلا وموضوعا.
وانا زعيم لهم انهم اذا فعلوا فسوف يخرجون من عملهم هذا بمفهوم جديد الاسلام، وسيجدون في هذا المفهوم النير الشعلة الوهاجة التي تنير لهم ولغيرهم الطريق، وتشحد منهم الهمم وتدفعهم الى القمم.
وان لم يفعلوا فما احرى"المهتمين بشؤون الاسلام والمسلمين في وطننا العزيزهذا"أن يتدخلوا، حتى لايبقى في ذهن السواد الاعظم من جمهورنا المجنى عليه- كما هو في ذهن البعض من خطبائنا - مادة مخدرة، يصدق عليها ما ينعت به الماركسيون الاديان عموما - باطلا وزورا- من انها"افيون الشعوب".
طنجة: محمد عبد الواحد بناني.