فهرس الكتاب

الصفحة 4172 من 5287

بتحتم أن يلقي في طريق نزوعها إلى التحقق والوقوع الخارجي كثيرا من الارتجاجات المعنوية والارتباكات الاتجاهية التي قد تخمد فيها جذوة التطور والتقدم أحيانا بصورة نهائية، وقد تكون على العكس من ذلك باعثا على هذا التطور ومؤثرا في الإسراع به، وتنمية أسبابه ودواعيه وإن كان السبيل إلى ذلك يقتضي التعرض لكثير من العثرات والانتكاسات، وكل هذا متوقف في الدرجة الأولى على حقيقة الأصول الأيديولوجية التي تستند إليها الدعوة ومدى استجابتها لمقتضيات الواقع الفكري والاقتصادي والاجتماعي الذي تتغيا تطويره أو تعديله، وطبيعة الظروف التي تحيط بها، والعوامل التي تؤثر في سيرها بوجه أو آخر.

وما ذا يعني كل ذلك بالنسبة للحركة التوحيدية العربية، والارتجاجات التي واجهتها هذه الحركة خلال الفترة الأخيرة، والتي أصبحت فعلا من صميم التاريخ؟ إن الدعوة التوحيدية العربية تقوم من حيث المبدأ على أساس أيديولوجية واسعة الجوانب متفتحة العناصر، واقعية المقاصد والأهداف، وهذه الأيديولوجية تعتمد في الدرجة الأولى على الجانب الترابطي الطبيعي والتاريخي الذي يصل بين الشعوب العربية الإسلامية، وتستهدف استغلال هذا الجانب وتسخيره لتحقيق هذف أكبر وهو ذلك الذي يتمثل في تأكيد المفهوم التاريخي والحضاري والفكري للأمة العربية الإسلامية سواء باعتبار وجودها الذاتي الخاص أو بالنظر لوضعها العام في عالم اليوم.

غير أن هذه الأيديولوجية وإن كانت تصطبغ في مظهرها بصبغة سياسية بارزة، فإنها لا تعبر في الواقع عن مجرد اتجاه سياسي محدود الجوانب، مثل ما هو عليه الأمر بالنسبة لبعض المذاهب والاتجاهات من هذا القبيل، ولو كانت الحركة التوحيدية العربية بهذه المثابة لكانت أهدافنا تنصر في إطار من المثالية السياسية المجردة كالدعوة إلى نوع من الوحدة في الحياة السياسية للبلاد العربية سواء على الصعيد الداخلي أو في الميدان الخارجي، وكالعمل على توحيد الأوضاع التمثيلية والتشريعية وغيرها، وكالسعي أيضا إلى تنسيق النظم العسكرية والستراتيجية وربط الأجهزة الديبلوماسية والدولية برباط مشترك يسوده التناسق والانسجام إلى مدى بعيد إن معطيات من هذا النوع توجد بالفعل في أساس الفكرة التوحيدية العربية، كمنا توجد كقاعدة أساسية لكثير من صور التعاون والاتحاد بين بعض الدول أو المجموعات الدولية الأجنبية، غير أن هذه المعطيات مع ذلك لا تساهم فعلا إلا في تشكيل الإطار السياسي للفكرة التوحيدية العربية، وهذا الإطار ليس من شأنه أن يستوعب جميع الحقائق والقضايا التي تشكل المحتوى الكلي الشامل لمبدأ الرابطة العربية، وليس من شأنه كذلك أن يمتد على جميع الأبعاد التي تحدد المفهوم الجذري العميق لهذه الرابطة، ومثال الجامعة العربية في وضعها الحالي من الدلالات التي لها مغزاها البعيد في هذا المقام.

وإذا ما ركزنا النظر على أساس هذه الاعتبارات حول العالم العربي في الظروف الراهنة، فإننا نلاحظ بكل جلاء أن من أهم العوامل التي تساهم في توجيه الأحداث بين ربوعه عامل الصراع الحاد المستمر الذي لم يفتأ منذ سنوات يدور حول موضوع الوحدة والاتحاد بين الأقطار العربية، مع ما يولده هذا الصراع من اختلافات بارزة في وجهات النظر تباعد بين كثير من المواقف في هذا المجال، فهناك بالفعل مجال لملاحظة نوع من الاجتماع المبدئي يسود الكثير من الأوساط العربية حول الوحدة، إلا أن هذا الاجتماع يفقد في الواقع كل مميزاته وفعاليته عندما يصبح الأمر منطويا بتحديد مفاهيم هذه الوحدة، وتعيين مدلولاتها الإنسانية والاجتماعية والفلسفية وغيرها، فمتطرفو اليسار العرب لا يمارون في أمر الوحدة مطلقا بل إنهم كثيرا ما ينساقون وراء الدعوة إلى هذه الوحدة أحيانا إلى أسباب تكتيكية والتحمس لها بشكل أو بآخر إلا أنهم في نهاية ذلك يبدون كما هو طبيعي أكثر تحفظا حول التفاصيل، وأشد جمودا أمام بعض البوادر الوحدانية التي يمكن أن تتم ضمن إطار معين يستهدف التشديد على الخصائص العربية الإسلامية، أكثر من سواها، ويرمي إلى التعاون العربي الدولي ولكن خارج نطاق التكتلات الدولية المتناحرة، وبمنأى عن ميادين الصراع الأيديولوجي الأجنبي، والتقليديون من جهتهم لا يبدون أقل حماسا بشكل من الأشكال، للفكرة التوحيدية العربية وتسليمها بضروريتها ومعقوليتها في بعض الحدود المعنية، لكن الصورة التي تترآى فيها هذه الفكرة منخلال مفاهيمهم ومعقولاتهم لا تنسجم دائما وبالضرورة مع الروح العامة التي يجب أن تصاغ فيها أية بادرة توحيدية قومية، والجو الذي ينبغي أن تترعرع في ظلاله هذه البادرة ك جو التحرر والتقدم وعدم الانحياز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت