فهرس الكتاب

الصفحة 4173 من 5287

وهناك الرومانسيون المثاليون الذين يتبنون في الغالب عن مبدأ الوحدة أفكارا جميلة متناسقة وأحيانا رائعة إلى حد بعيد، غير أن هذه الأفكار بالرغم عن وجاهتها وقوتها وعمقها أحيان، فإنها قد لا تعدو في المحط الأخير نطاقا نظريا متجردا يصعب تحديد جوانبه ومقتضياته فبالأحرى اعتماده كشيء له قيمته الحقيقية وفاعلياته المؤثرة في مجال التحقيق والتطبيق.

ان الفكرة الوحدوية على هذا الأساس فكرة مشتركة ومشاعة بين مجموعة عناصر النخبة العربية مع الإغضاء بالطبع من المتأثرين بالنظريات الإقليمية والانطوائية الضيقة، وهذه الفكرة لها بالفعل جذور عميقة في العقلية العربية الواعية بصورة عامة، بل إنه يوجد لها فوق ذلك قدر كبير من التأثير الجذري على وجدانات الجماهير والكتل الشعبية، وتغلغل قوي في أعمق مواطن إحساسها وتعقلها مع اختلاف درجات هذا التأثير وسطحيته في الأعم الغالب، وإذا كان المبدأ التوحيدي على هذه الدرجة من الأهمية في مجال التفكير العربي الإسلامي الحديث، وإذا كان التسليم بهذا المبدأ يعتبر ظاهرة فكرية عربية إسلامية ليس من نكرانها من سبيل، فان الأساليب التي توصل إلى تحقيقه، والروح التي يجب ان تسيطر على اتجاهاته ومراميه، والنتائج البعيدة التي ينبغي ان يفضي إليها كل ذلك لا يزال على العكس وبصورة مستمرة العامل الأساسي فيما يلاحظ من مصاعب وتعقيدات عديدة تواجه الاتجاه العربي في هذا المضمار.

ومما لا شك فيه أن كثيرا من هذه المصاعب والتعقيدات، يعود في منشئه واستمراره الى الوصول مصطنعة ومتعددة، بل ويؤول أحيانا إلى عوامل موجهة لمعاكسة حتمية التاريخ ومنطقية الوقائع والأشياء لكن أيمكن ان تصل هذه العوامل المصطنعة إلى مستوى التحدي للفكرة الوحدوية سواء من حيث المبدأ أو النتيجة؟ ليس في التجارب والظواهر الملحوظة عبر الأحداث والوقائع ما يبرهن على ذلك أو يؤكده بصورة أو بأخرى، لكن الذي يبدو ثابتا من جهة ثانية أن مظاهر التناقض أحيانا في تصور المفهوم التوحيدي ومناهج تحقيقيه وتركيزه وملابساته وجوده وتأكده هو ما يشكل في بعض الحالات وبصورة من الصور مجموع هذه التحديات"الداخلية"التي لها في الواقع كثير من قوة التأثير على اندفاعية التيار التوحيدي العربي، وتحديد مدى انطلاقه وامتداده.

ان هذه التحديات ليست مناقضة أحيانا لمبدأ الوحدوي العربي والقيم والمثل الأساسية التي يستند إليها الأساس لكنها مع ذلك تفتأ تواجه القضية التوحيدية العربية بكثير من الحدة والتعقيد إلى مدى بعيد، ويمكن للمراقب البسيط ان يلاحظ صورة عن هذه المشاكل والمعضلات في الواقع الفكر العربي الحالي حيال قضية الوحدة على العموم، وما يعكسه هذا الواقع من مظاهر خاصة تثير في الذهن عديدا من التساؤلات والاستفهامات المختلفة، ذلك إن الفكرة الوحدوية وان كانت في أساسها كما قدمنا تشكل صورة مشتركة في أفق التصور العربي إلا أن وجهات النظر المنبثقة عنها يمكن ان تتسم نوعا ما ببعض التباين المحدود في بعض الحالات، وذلك بالنتيجة للاختلاف في درجة الإدراك ومقاييس التقييم والاستنتاج، ومن هنا كان ثمت مجال لتعدد الآراء حول درجات الوحدة ومراحل تطورها وطبيعة أهدافها، وترابط حلقاتها ترابطا عقلانيا، سواء في الحال أو في المصير وضمن هذا الاعتبار وبغض الطرف عن الاتجاهات المصلحية التافهة، فإننا نلاحظ وجود كثير من مظاهر الاهتمام بالجوانب الاقتصادية والسياسية والثقافية لقضية الوحدة، وتعدد البراهين على أولوية هذا الجانب او ذاك، وأحقية هذا الأسلوب أو الآخر في مضمار العمل والتصميم والتطبيق، ان موضوع الموازنة هذا بين عوامل الوحدة ومظاهرها الاقتصادية والسياسية لا يزال أساسا لكثير من الجاذبات الفكرية التي عرفتها بعض البلاد العربية خلال السنوات الأخيرة مع العلم ان طريقة النظر في هذا الموضوع تختلف شكلا وروحا ونتيجة بالنسبة لهذا البلد الآخر، وتكتسي لذلك أحيانا طابع الرصانة والموضوعية والجدية، وتصطبغ طورا آخر بصبغات ديماغوجية تهريجية ليس من الجائز إن تفضي إلى نتائج صحيحة ذات محتوى ايجابي هادف وعلى كل فقد كان من المعقول عموما ان يكون للتطورات العالمية الحديثة سواء على الصعيد الاقتصادي (السوق المشتركة في المغرب، ومنظمة التنسيق الاقتصادي لدول الشرق الشيوعي) أو في الميدان السياسي (البرلمان الأوربي مثلا) كان من المعقول ان يكون لهذه التطورات تأثير هام على واقع التفكير الوحدوي العربي بكل مما يعكس ذلك من ازدياد الحنين إلى مبدأ الوحدة والحرص على البحث فيها وتقليب أوجه الرأي في مدلولاتها ونتائجها وتعدد الأفكار والنظريات حول هذا الموضوع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت