فهرس الكتاب

الصفحة 4174 من 5287

وإذا كانت الجوانب السياسية والاقتصادية ما تزال تحتل هكذا من ميادين الفكر الوحدوي العربي قسطا هاما وغير يسير، فان ثمت أيضا جوانب أخرى لها اعتبارها الكبير، ولها أيضا تأثيرها المهم في هذا المقام، ومن بين هذه الجوانب ما يتصل بمشاكل التكتل الدولي في عالمنا المعاصر، وعلاقة ذلك بالعروبة عموما، وبالفكرة التوحيدية العربية على الأخص، أن النزوع إلى الترابط الدولي الاممي سواء على أساس قومي أو مذهبي أو مصلحي او غير ذلك، هذا النزوع هو من أبرز الظواهر وأبعدها أثرا في حياتنا العالمية الراهنة، ويعتقد الكثيرون ان المآل الذي يحتمل جدا ان تنتهي إليه العلاقات الدولية هو الترابط والتلاحم في أي شكل من الأشكال وتتوالى الوقائع والتطورات في الفترة التي نعيشها لتؤكد هي الاعتقاد وتركز احتمالاته وإمكانياته إلا ان هناك ملاحظة أساسية في هذا المجال وهي انه بقدر ما يشتد النزوع إلى الترابط والانسجام بين الوحدات الدولية المتمايزة بقدر ما تبدو المشكلات القانونية والنفسية الناشئة عن ذلك كثير الحدة والتعقيد، خاصة وان عوامل الوحدة بالنسبة لبعض التكتلات الدولية القائمة هي عوامل مصطنعة ومبسترة، وبالتالي فهي دائما عرضة للتأرجح والتعقيد، وفي العالم العربي يتركز اهتمام البعض حول المشاكل المماثلة التي يمكن أن تعترض موضوع الوحدة المفترضة، وهم يتحدثون كثيرا في هذا الصدد حول علمانية الوحدة العربية، وتجردها مع العلم بان هذا الموضوع لا يشكل في الواقع أية عقبة رئيسية وليس لطرحه على محك النظر أي مبرر معقول ما دام أن الإسلام لم يعرف في جوره أي مظهر للتعصب والاضطهاد العنصري أو العقائدي وما دام أن صلة الإسلام بالعرب كصلته بغيرهم من الأجناس الأخرى التي تحتضنه لا يمكن أن تشكل أي عامل تقهقري حقيقي بل أن الإسلامية بالعكس هي أساس صحيح لإمكانية تحقيق كل تقدم خير وبناء في مختلف المجالات والميادين، هذا وإذا ما ركزنا النظر حول الوحدة أمكننا أن ندرك قيمة العامل الإنساني والاجتماعي في مفهوم هذه الوحدة ومدى أهمية الارتباط القائم في هذا النطاق بين صيرورة الإنسان العربي من جهة، وبين مضمون المثالية التي ينطوي عليها المبدأ من جهة أخرى، لقد كانت الفكرة الوحدوية في بدايتها وتدرجها غداة قيام الوحدة التحررية العربية في العهد العثماني كانت هذه الفكرة في خطوطها العامة فكرة قومية من حيث المبدأ، ومن حيث الحوافز النفسانية المحركة، ومع اعتبار المدلول السياسي الصرف لكلمة"قومية"لكن الثورات العالمية من جهة، وانعكاساتها على واقع الفكر العربية الحديث المطعم بعناصر الثورة الإصلاحية الإسلامية من جانب آخر، كل ذلك كان من شأنه أن يوسع من مفهوم المبدأ الوحدوي العربي ويمنح مضمونا أكثر شمولا واستيعابا، وأعظم قدرة على الاستجابة لحقائق الواقع الجديد وحتمية الوجود والتطور ولذلك سيكون في إمكاننا على هذا الأساس أن نلحظ أن محتويات الأيديولوجية الوحدوية الحديثة لا بد أن يكون لها إلى جانب العنصر القومي السياسي عناصر أخرى ذات طابع إنساني اجتماعي مثل ما هو عليه الأمر بالنسبة لكافة الأيديولوجيات الوحدوية الحديثة لا بد أن يكون لها إلى جانب العنصر القومي السياسي عناصر أخرى ذات طابع إنساني اجتماعي مثل ما هو عليه الأمر بالنسبة لكافة الأيديولوجيات الأخرى ذات الأهداف الكلية الشمولية، فالغاية دائما وفي جميع الحالات هي تطوير الأرض العربية والإنسان العربي والاستفادة من جميع الإمكانيات العربية من أجل الوصول إلى هذه المقاصد بالذات، والوحدة في جوهرها يجب أن تقوم كوسيلة وأداة لتحقيق فرص النجاح المتوخاة في هذا المضمار، ولتأكيد المدلول الإنساني الخير الذي تعبر عن هذه الوحدة وتعكسه في جوهرها الأصلي، وهذه هي بعض العناصر الرئيسية التي تشكل حقيقة المضمون الاجتماعي للفكرة الوحدوية كما تعاش كتجربة فكرية في الوقت الحاضر، ومن الطبيعي أن تتباين بعض الاتجاهات النظرية حول هذا الموضوع مع الإغضاء عن الاتجاهات المصلحية الرخيصة وذلك نظرا لصبغته الراديكالية الصميمة وامتداده على أبعاد حساسة تلزم المجتمع العربي المعاصر وتحدد له كثيرا من خطوط مستقبله، ولا مناص لكل ذلك من أن تتعدد النظريات المعقولة في هذا المجال وتتأرجح بين هذا الاتجاه أو ذاك قبل أن يصبح ممكنا توافر العناصر الضرورية لبناء نوع ما من الوحدة الأصلية الحاسمة.

إن الفترة المرحلية التي تجتازها الفكرة التوحيدية العربية إذن ليست مطلق فترة سلبية تافهة كما يتراءى لكثير من المراقبين الأجانب الذين يعنون يتابع المجريات العربية، وينطلقون من ذلك إلى تكوين استنتاجات منحرفة أحيانا وغريبة أحيانا أخرى فالفكرة التوحيدية العربية باعتبار الواقع الفعلي الذي تعيشه الآن هي في دور التطور التجريبي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت