فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 ص 32

حول بعض المؤرخين بحث هذا الموضوع ولكنهم لم ينفذوا إلى أغواره، ولم يكشفوا مجاهله، فخرجوا بنتائج فجة متهافتة لا يسندها منطق ولا يعززها برهان، وسنعرض هذه النتائج بعد أن نلقي بعض الضوء على الظروف التي عاصرت المذاهب، والنحل التي أخذت تفد من المشرق في الفترة التي تمكن فيها الإسلام من نفوس البربر، لنستشف من خلال أشعته بعض الحقائق التي نرجو أن تقودنا إلى رأي سديد.

بعد صراع مرير تغلغل الإسلام في نفوس البربر، حينما لمست مبادئه شغاف قلوبهم، واختفى ما كان يبدو عليهم من نفور من العرب، وأصبحوا يشعرون شعورا صادقا انه لا فرق بينهم وبين العرب، على الرغم من طموحهم إلى الاستقلال، وتبنى الرسالة التي حملوها إليهم، وهكذا أصبح الإسلام يربط بينهم وبين العرب في المشرق، وأخذت أصداء أحداث المشرق تتردد في مجتمعاتهم، ومن جملة هذه الأحداث حركة الخوارج، فقد رن صداها في مجتمعاتهم وسرعان ما اقبلوا عليها في أواخر القرن الأول للهجرة، وكانت خوارج افريقية الشمالية اباضية وصفرية، ويبدو أن بعض أذكياء البربر كانوا قد اندفعوا إليها لحمل رايه العصيان في وجه حكومتهم، ولكن الباقين كانوا قد اندفعوا إليها لأنها توائم طبائعهم الثورية النزاعة إلى الحرية.

ولم يتبلور المذهب الشيعي عندهم في صورة معتقدات، غير أن ما تناقل إلى أسماع البربر عن النكبات التي حلت بالعلويين من جانب الأمويين والعباسيين، جعلهم يعطفون على العلويين، وقد بدت مظاهر هذا العطف حينما هاجر إدريس العلوي إلى المغرب، اثر نجاته من وقعة فخ، اجل بدت في الحفاوة البالغة التي استقبله بها البربر، وفي موقفهم من مبايعته على الإمارة.

هذا الموقف الكريم يبرهن على أن التشيع للعلويين، كان قد ظهر قبل رحيل داعية الاسماعيليين أبي عبد الله الشيعي إلى افريقية الشمالية، لنشر دعوة الفاطميين، وانه كان مجرد عطف وحب لسلالة فاطمة للأسباب السالفة.

وفي أعقاب الدولتين؛ الأغلبية بتونس، والادريسية بالمغرب، وحل أبو عبد الله الشيعي إلى افريقية الشمالية، وقد استطاع بحذقه ودهائه أن يؤسس فيها دولة الفاطميين أو العبديين، وهنا بحق لنا أن نتساءل: هل انتشر المذهب الاسماعيلي بخطوطه حقيقة بين البربر، وعلى أساسه قامت دولة الفاطميين بافريقية الشمالية؟ أم أن هذه الدولة قامت على أساس العطف والحب كما رأينا أثناء قيام الدولة الادريسية بالمغرب؟.

يرى الدكتور حسن إبراهيم في كتابه (الفاطميون في مصر) أن من الغريب، أن أكثر سكان البلاد التي قام فيها الاسماعيليون بنشر مذهبهم لا يزالون متمسكين بعقائد هذا المذهب، إلا سكان بلاد المغرب، حيث لم يبق للاسماعيليين بقية، وقد علل اختفاء هذا المذهب بينهم اعتمادا على رأي للأستاذ ماسينيون: بجهل البربر، وعدم استعدادهم لفهم درجاته المختلفة المندرجة في الصعوبة، كغيرهم من أهالي الأقطار الأخرى، كفارس، ومصر، التي يمتاز أهلها بالحضارة وسمو الفكر، ويرى أيضا أن البربر لم يكن لهم السبيل والاستعداد للأخذ بأهداف الحضارة الإسلامية التي أوجدها الصرب في صدر الإسلام، ولو اخذ البربر بحضارة العرب لكان في ذلك قبول لحضارة الفاتحين.

تلك هي النتائج التي انتهى إليها المؤرخون لتعليل اختفاء المذهب الاسماعيلي في افريقية الشمالية، وتتلخص في جهل البربر وعدم استعدادهم لفهمه وعدم قدرتهم على هضم الحضارة العربية، ولو أننا انسقنا مع الرأي القائل: أن الحضارة عبارة عن الظواهر الثقافية والفنية والمعنوية لحياة المجتمع مع اشتراط عمق هذه الظواهر في أغوار التاريخ-لجردنا العرب من حضارتهم إذ ليست جذورها ممتدة في أعماق الزمن، وإنما استمدوا بعضها من جوهر الإسلام بعد ظهور الرسالة المحمدية، واستمدوا الباقي من الهند وفارس واليونان، بعد أن قطعت الفتوحات الإسلامية شوطا بعيدا في تاريخهم، ولو أننا اتجهنا على المعنى المتعارف للحضارة وإنها من شيمة المجتمع الإنساني، وبها يتميز عن مجتمع الحيوانات، وإنها فضلا عن ذلك مجهود أنساني ضخم تضافرت أجيال الإنسانية على تشييده منذ فجر تاريخ الإنسانية- لو أننا اتجهنا إلى هذا المعنى المتعارف للحضارة، لوجودنا البربر لهم حضارتهم أيضا، على أننا نعلم من تاريخ البربر لنهم لم يهضموا الحضارة العربية وحدها، بل تمثلوا حضارات أخرى قديمة قبل اتصالهم بالعرب، ومن بينها حضارات الفينيقيين والرومان ...

ويبدو أن التعليل السليم لإخفاء المذهب الاسماعيلي من افريقية الشمالية، انه كان يحتوي على نظريات اشتراكية متطرفو، ترمي إلى نزع الأملاك الكبيرة من أيدي أصحابها وتوزيعها بالتساوي، ولم يكن للبربر استعداد لتطبيق هذه النظرية، ومن المعروف أن الإقطاعية كانت منتشرة بينهم ومستقرة في بيئتهم.

ويضاف على هذا العامل، أن المذهب الخارجي كان اسبق إلى ظهور بين البربر من المذهب لاسماعيلي، فكان مناهضا له، لأنه كان مذهبا موافقا لأمزجة البربر ونزعاتهم الحرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت