فهرس الكتاب

الصفحة 422 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 ص 33

على أن الفاطميين لم يبرعوا في الدعوة لمذهبهم، إلا بعد أن استقرت خلافتهم في مصر، وإذ ذاك سلكوا المناهج العلمية لنشر مذهبهم، فحين شيد الأزهر اتخذوا منه ناديا لنشر دعوتهم بأسلوب علمي منظم ...

وقد كان للتصرفات التي كانت تصدر عن الدعاة لهذا المذهب اثر سيء بين البربر، لأنهم كانوا يحاولون أن يحملوا الناس عليه بالقوة، وبأساليب شتى من الإرهاب والاستبداد، ومما لا شك فيه أن المذاهب والمبادئ لا تنتشر بالإرهاب والقوة، بل بالتبشير والإقناع، وقد كان إرهاب هؤلاء الدعاة منفرا البربر من هذا المذهب، ويروى التاريخ أمثلة كثيرة لهذا الإرهاب، ففي خلال سنة 306 هـ قتل هؤلاء في القيروان (عروسا) المؤذن بعد أن ضربوه بالسياط وقطعوا لسانه، حين علموا انه لم يذكر في أذانه (حي على خير العمل) وهي إحدى شعارات الاسماعيليين.

ثم أن ما كان يبدو على المذهب من تناقض ومخالفة لتعاليم الإسلام التي ألفوها، ومن ادعاء أنصاره أن أمامهم محيط بأسرار المغيبات، كل هذه الأشياء جعلت البربر يتخذون منه ومن دعاته مادة لسخريتهم، فقد وقف يوما (على المروزي) والناس حوله، وقال لأبي عبد الله الشيعي في إحدى مجالس دعوته (لقد لطفت لنا-أصلحك الله- في قطع قيام رمضان، فهلا احتلت لنا في ترك صيامه وكفيتنا مئونته) وقد كتب بعض احداث القيروان هذين البيتين، وتلطفوا في وصولهما إلى عبيد الله المهدي من حيث لا يعلم:

الجور قد رضينا لا الكفر والحماقة

يا مدعي الغيوب من كاتب البطاقة

فاشتد ذلك عليه، وبحث سرا عن كاتبه فلم يعثر عليه.

وهكذا نرى أن اختفاء المذهب الاسماعيلي لا يرجع إلى قصور البربر عن الإحاطة بما يحتوي عليه من نظريات متدرجة في الصعوبة، على أننا نجد كثيرا من البربر قد تعمقوا في فهم هذا المذهب، بل وتأثروا به، لعل في الحركات المتكررة التي قام بها مدعو المهدية-وهي إحدى أصول المذهب الشيعي- ما يلقي ضوءا على هذه الحقيقة، ففي مختلف ادوار تاريخ البربر نجد الكثير منهم قد انتحلوا لأنفسهم اسم المهدي المنتظر الذي خرج ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت