فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
بقي بين أيدينا من أثارهم العظيمة، تلك التي أثارت اهتمام رجال العلم، مثل الاب"مورو"الذي خصص احد كتبه لدراسة تصميم الهرم الأكبر، وما يتضمن من نظريات هندسية غريبة، وخصائص رياضية وميكانيكية عجيبة. كما كان اليونان مغرمين بصور الجمال، على ما ابدعه فن"فيدياس"، وبآيات المنطق والحكمة على ما جادت به عبقرية"سقراط".أما العرب في الجاهلية، فقد كانت هوايتهم في لغتهم، فلم يقتصروا على استخدامها في ضرورات الحياة اليومية، شأن الشعوب الأخرى، وانما كان العربي يفتن في استخدام لغته، فينحت منها صورا بيانية لا تقل جمالا عما كان ينحته"فيدياس"في المرمر، وما كانت ترسمه ريشة"ليونار دو فانسي"في لوحاته المعلقة في متاحف العالم الكبرى.
فالشعر العربي كما قال أخي الأستاذ محمود شاكر في مقدمة هذا الكتاب: ... كان حين انزل الله القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم نورا يضيء ظلمات الجاهلية، ويعكف أهله على بيانه عكوف الوثني للصنم ويسجدون لآياته سجدة خاشعة لم يسجدوا مثلها لأوثانهم قط، فقد كانوا عبدة البيان، قبل أن يكونوا عبدة الأوثان وقد سمعنا من استخف منهم بأوثانهم، ولم نسمع قط بأن منهم من استخف ببيانهم"."
هذه صورة الظروف النفسية التي نزل فيها القرآن، فكان لإعجازه أن ينفد إلى الأرواح -بصفة عامة في زمن النزول- على هذا السبيل، أي بما ركب في الفطرة العربية من ذوق بيان.
ثم تغيرت هذه الظروف مع تطورات التاريخ الإسلامي، وفاض طوفان العلوم في أواخر عهد بني أمية والعهد العباسي. فصار إدراك جانب الإعجاز في القرآن بالمعنى الذي حددناه -لغة واصطلاحا- من طريق التذوق العلمي، أكثر من أن يكون من طريق الذوق الفطري.
وهذا يعني أن الاعجاز كما أدركته العرب وقت النزول - أصبح من اختصاص طائفة قليلة من المسلمين بيدها وسائل التذوق العلمي. ومن الممكن أن نتتبع هذا التطور في مرحلتيه في مراجع التاريخ الإسلامي.
1 -فمن ذلك أن السيرة تروي لنا بعض المواقف التاريخية، يظهر فيها أثر الاعجاز على الذوق الفطري عند العرب في الجاهلية، ويظهر ذلك في صورتين:
أولاهما: إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما تأثر بآيات سمعها من أخته، أوقرأها في صحيفتها.
وثانيهما: حكم الوليد بن المغيرة حين تقول في القرآن"والله لقد سمعت كلاما ما هو من كلام الانس، ولا من كلام الجن، وان له لحلاوة، وإن عليه الطلاوة ..."وهنا نرى الوليد يقف على قيد شبر من الايمان، وقد هزه بيان القرآن، ولكن ما كان للحجة أن تغير أمرا أراده الله، فترى الوليد ينتكس، ويختم كلامه منكرا صدق الرسالة بقوله:"وان أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحرا، جاء يفرق بين المرء وأبيه ... الخ"وهذا هو صدى الإعجاز في فطرة العرب في صورتين مختلفتين. حتى إذا تقدم الزمن، وتغيرت الظروف الاجتماعية، وتقدمت العلوم صار الإعجاز موضوع دراسة قائم بذاته، فكتب فيه أئمة البيان، من أمثال الجاحظ في كتابه"نظم القرآن. (وعبد القاهر"صاحب"دلائل الإعجاز".
ومن هذا الاخير نستعير نبذة لتوضيح المقام والمقال، نستعيرها على سبيل المثال، من تعليق له على قوله تعالى:"رب اني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا .."يقول معلقا:"ان في الاستعارة ما لا يمكن بيانه الا من طريق العلم بالنظم، والوقوف على حقيقته، ومن دقيق ذلك وخفيه انك ترى الناس اذا ذكروا قوله تعالى (واشتعل الرأس شيبا) لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة، ولم ينسبوا الشرف الا إليها، ولم يروا للمزية موجبا سواها. هكذا نرى الامر في كلامهم، وليس الامر على ذلك ...".
ولا لزوم لذكر النص بأكمله، وانما أوردته فقط لابين مباشرة عجزي عن ادراك"الاعجاز"من هذا الوجه، أي بوسائل التذوق العلمي، بعد أن اعترفت بعجزي عن ادراكه من طريق الذوق الفطري. وهكذا أراني حيران، فاقد الحيلة والوسيلة في قضية هي أمس القضايا بالنسبة لي كمسلم. وهنا تواجهنا مشكلة"الاعجاز"في صورتها الجديدة بالنسبة لهذا المسلم، أعني بالنسبة لأغلبية المسلمين المثقفين ثقافة