فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أجنبية، بل وربما بالنسبة لذوي الثقافة التقليدية، في ظروفهم الثقافية والنفسية الخاصة، فلا بد اذن من إعادة النظر في القضية في نطاق الظروف الجديدة التي يمر بها المسلم اليوم، مع الضروريات التي يواجهها في مجال العقيدة والروح.
وعلى رغم ما يبدو في القضية من تعقد، بسبب موقفنا التقليدي إزاءها، فاني اعتقد أن مفتاحها موجود في قوله تعالى:"قل ما كنت بدعا من الرسل، وما أدري ما يفعل بي ولا بكم، ان أتبع الا ما يوحى الي"، فإذا اعتبرنا هذه الآية على أنها حجة يقدمها القرآن للنبي كي يستخدمها في جداله المشركين، فلا بد أن نتأمل محتواها المنطقي من ناحيتين: فهي تحمل، أولا، اشارة خفية الى أن تكرار الشيء في ظروف معينة يدل على صحته، أي أن سوابقه في سلسلة معينة تدعم حقيقته كـ"ظاهرة"بالمعنى الذي يسبغه التحديد العلمي على هذه الكلمة"فالظاهرة هي:"الحدث الذي يتكرر في نفس الظروف مع نفس النتائج"."
وهي تحمل في مدلولها، ثانيا، ربطا واضحا بين الرسل والرسشالات خلال العصور، وأن الدعوة المحمدية يجري عليها امام العقل ما يجري على هذه الرسالات. ومن هذا نستخلص أمرين:
1 -انه يصح أن ندرس هذه الرسالات في ضوء ما سبقها من الرسالات.
2 -كما يصح أن ندرس هذه الرسالات في ضوء رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، على قاعدة ان"حكم العام ينطبق على الخاص قياسا، وحكم الخاص ينطبق على العام استنباطا".ولا مانع اذن من أن نعيد النظر في معنى"الاعجاز"في ضوء منطق الآية الكريمة.
وحاصل هذا اننا اذا اعتبرنا الاشياء في حدود الحدث المتكرر، أي في حدود الظاهرة، فالاعجاز هو:
1 -بالنسبة الى شخص الرسول: الحجة التي يقدمها لخصومه ليعجزهم بها.
2 -وهو بالنسبة الى الدين: وسيلة من وسائل تبليغه.
وهذان المعنيان للاعجاز يضفيان على مفهومه صفات معينة.
أولا: أن الاعجاز - كـ"حجة"لا بد أن يكون في مستوى ادراك الجميع، والا فاتت فائدته، اذ لا قيمة منطقية لحجة تكون فوق ادراك الخصم، فهو ينكرها عن حسن نية أحيانا.
ثانيا: ومن حيث كونه وسيلة لتبليغ دين: ان يكون فوق طاقة الجميع.
ثالثا: ومن حيث الزمن: أن يكون تاثيره بقدر ما في تبليغ الدين من حاجة إليه.
وهذه الصفة الثالثة تحدد نوع صلته بالدين، الصلة التي تختلف من دين إلىآخر، باختلاف ضرورات التبليغ كما سنبين ذك.
فهذا هو المقياس العام الذي نراه ينطبق على معنى اعجاز، في كل الظروف المحتملة بالنسبة الى الاديان المنزلة. فإذا قسنا به في نطاق رسالة موسى عليه السلام مثلا نرى أن الله اختار لهذا الرسول معجزتي اليد والعصا، واذا تأملناهما وجدناهما -"كحجة"يدعم الله بها رسالة نبيه - يتصفان بأنهما:
1 -ليستا من مستوى العلم الفرعوني الذي كان من اختصاص اشخاص معدودين، يكونون هيئة الكهنوت، بل كانت المعجزة، في كلتا صورتيها، من مستوى السحر الذي يقع اثره في ادراك الجميع عن طريق المعاينة الحسية، دون اجهاد فكر.
2 -هاتان المعجزتان تتصلان بتاريخ الدين الموسوي، لا بجوهره، اذ ليس لليد أو العصا صلةبمعاني هذا الدين ولا بشريعته، فهما على هذا مجرد توابع للدين، لا من صفاته الملازمة له.
3 -ودلالة هاتين المعجزتين على صحة الدين محدودة بزمن معين، اذ لا نتصور مفعول اليد والعصا كـ"حجة"الا في الجيل الذي شاهدهما، أو الجيل الذي بلغته تلك الشهادة بالتواتر من التابعين وتابع التابعين، أي أن مفعوله لا يكون الا في زمن محدد، لحكمة ارادها الله. ولو فكرنا في هذه الحكمة لوجدنا انها تتفق مع حقائق نفسية، وحقائق تاريخية سجلها الواقع فعلا، هي:
أولا: ان القوم الذين يدينون اليوم بدين موسى -أي اليهود يفقدون، لأسباب نفسية لا سبيل لشرحها هنا، نزعة التبليغ، بحيث لا يشعرون بضرورة تبليغ دينهم الى غيرهم من الامم، أي: الاميين - كما يقولون.
حتى أننا إذا استخدمنا لغة الاجتماع قلنا: ان"الاعجاز"قد الغاه في هذا الدين عدم الحاجة اليه.
ثانيا: ان مشيئة الله قدرت أن يأتي عيسى رسولا من بعد موسى، وأتى الدين الجديد لينسخ الدين السابق، فينسخ طبعا جانب الاعجاز فيه، حيث تزول الحجة بزوال ضرورتها التاريخية.