فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ثم أتى عيسى بالدين الجديد، وبما يتطلب هذا الدين من وسائل لتبليغه، أي ما يتطلب من حجة، فأتى بإعجازه الخاص، بالمعنى المحدد لغة واصطلاحا كما سبق، فكان لعيسى إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله. ولسنا بحاجة أن نكرر بالنسبة إلى الدين الجديد ما قدمنا من اعتبارات عامة بالنسبة إلى خصائص"الإعجاز"في الدين السابق، حيث أن القضية تتعلق هنا وهناك بالتركيب النفسي الذي عليه الإنسان، من حيث هوإنسان يدرك الأشياء بعقله، مع ما في عقله من عجز عن إدراك حقيقة الدين مباشرة، ان لم يكن هناك حجة خاصة تسند تلك الحقيقة لدى عقله في صورة"الإعجاز".
فالأسباب تتكرر، وانما يتغير شكلها نظرا لما حدث من تطور في الظروف النفسية والاجتماعية حول الدين الجديد، في البيئة التي ينشر فيها عيسى دعوته، تلك البيئة التي تشع عليها الثقافة اليونانية الرومانية.
ولكن دلالة ما أوتي عيسى من إعجاز ستزول ايضا مع زوال موضوعها، ولنفس الأسباب التي ألغت جانب الاعجاز في دين موسى حيث يأتي -بعد عيسى- رسول جديد؛ ودين جديد يلغيان الدين السابق- دين عيسى عليه السلام، فيلغي ضرورة التدليل على صحة الإنجيل.
هكذا تأتي رسالة الرسول الأمين، ولكنها تتم بصفة خاصة تميزها عما سبقها من الرسالات، اد انها الحلقة الأخيرة في سلسلة البعث. ويأتي محمد"خاتم الأنبياء"كما ينوه بذلك القرآن، ويشهد به مرور الزمن منذ أربعة عشر قرنا.
وما كانت هذه الميزة التاريخية في الدين الجديد. دون أن يكون اثرها في كل خصائصه، وفي نوع إعجازه، علىوجه الخصوص، حيث ان حاجة التبليغ ستبقى مستمرة فيه، سواء من الناحية النفسية، لان كل مسلم ـبعكس اليهودي ـيحمل في نفسه"مركب التبليغ"،ام من الناحية التاريخية، لان الدين الجديد الإسلام ـسيكون دين آخر الزمن، أي الدين الذي لايعقبه دين سماوي آخر بل ولا يأتي دين بعده بصورة مطلقة، كما تشهد بدالك القرون، حتى ان حاجة الإسلام إلى وسائل تبليغه ستبقى ملازمة له، من جيل الى جيل، ومن جنس الى جنس، لا يلغيها شيء في التاريخ، وهذا يعني أن هذه الوسائل يجب الاتكون، مثل الاديان الأخرى، مجرد توابع يتركها الدين في الطريق عبر التاريخ، بعد مرحلة التبليغ، مثل اليد عند موسى أو عصاه التي لم يبق لها اثر، حتى في متاحف العالم، كما بقيت عصا"توت عنخ آمو"الذهبية.
وعليه يجب أن يكون"اعجاز"القرآن صفة ملازمة له عبر العصور والاجيال، وهي صفة يدركها العربي في الجاهلية بذوقه الفطري، كعمر رضي الله تعالى عنه أو الوليد، أويدركها بالتذوق العلمي كما فعل الجاحظ في منهجه الذي رسمه لمن جاء بعده.
ولكن المسلم اليوم قد فقد فطرة العربي الجاهلي وامكانيات عالم اللغة في العصر العباسي، وبرغم هذا فإن القرآن لم يفقد بذلك جانب"الاعجاز"لانه ليس من توابعه، بل من جوهره، وانما اصبح المسلم مضطرا الى أن يتناول الآية من حيث تركيبها النفسي الموضوع اكثر مما يتناولها من ناحية العبارة، فيطبق في دراسة مضمونها طرق التحليل الباطن، كما حاولنا ان نطبقها في هذا الكتاب
وأذا كانت هذه الضرورة ملحة بالنسبة لغير المسلم الذي يحاول تقعيد عقيدته على اساس ادراك شخصي لقيمة القران ككتاب منزل فانها اكثر الحاح بالنسبة لغير المسلم الذي يتناول القران كموضوع دراسة اومطالعة.
فهذه في مجملها الاسباب التي دعتنا الى تطبيق التحليل النفسي بخاصة لدراسة القران كظاهرة
بيد ان تنفيذ هذه المهمة قد اظهر نقائص جهازنا الفني، غير ـتواضع ـ بل عن معرفة تامة بالقضية التي نعتبرتنفيذها مجرد ارشاد لما سيتلوها من دراسات، يلزم للقيام بها ان نحشد وسائلنا الفنية ووثائقنا التي لم نستطع بكل أسف أن نجمعها للقيام بهذه الدراسة.
ومن المفيد هنا أنذكركم كم سيكون مفسر الغد بحاجة الى معرفة لغوية وأثرية واسعة، فان عليه أن يتتبع الترجمة اليونانيةالسبعينية للكتاب المقدس والترجمة اللاتينية الاولى من خلال الوثائق العبرية وبصورة أعم عليه ان يتتبع جميع الوثائق السريانية والآرامية ليدرس مشكلة الكتب المقدسة.
هذه مهمة جليلة لايمكننا الشروع فيها رغم رغبتنا الحارة في تحقيق هذا الامل، والله يوفقنا
القاهرة: مالك بن نبي.