فهرس الكتاب

الصفحة 4252 من 5287

يعود، وانه لم يكن في داره الا حصير ينام عليه ومصحف ثم الكتاب الذي وضعه هو وسماه"الزهد"وانه كان إذا أراد شراء شيء أو التصدق بشيء أدخل يده تحت الحصير فأخرج دراهم صحاحا كبارا.

اما كتاب"الزهد"الذي وضعه يمن فلا نعرف عنه الا ما اثاره من حملة الفقهاء عليه سواء في القيروان أو قرطبة، أما في القيروان فقد افتى بالنهي عن قراءته محمد بن مسرور المعروف بابن الحجام، وأما في قرطبة فقد صرح بمثل ذلك احمد بن خالد المعروف بابن الحباب الذي كان يصف يمنا بانه"صاحب وساوس"،وعلى الرغم من هذا الحكم فقد عكف على كتاب"الزهد"نفر من صوفية الاندلس نذكر منهم زاهدا سجلماسي الاصل يدعى جساسا كان يذيع هذا الكتاب وينشره في متعبد له بثغر مجريط"مدريد الحالية"خلال القرن الرابع الهجري، وعن جساس المذكور رواه عبدالرحمن بن خلق الاقليشي المتوفى سنة 347، وليس لدينا شك في ان ما احتواه كتاب الزهد ليمن بن رزق كان أكثر بكثير مما يدل عليه عنوانه اذ لو كان مجموعة من المواعظ الزهدية لما أثار ثائرة الفقهاء، بل يبدو لنا كتابا صوفيا بمعنى الكلمة.

وننتقل الآن الى أقدم شخصية اندلسية صوفية ظهرت خلال أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجري وكان لها اثر كبير بعد ذلك في الحياة الروحية بهذه البلاد حتى ابن عربي المرسي في القرن السابع الهجري، ونعني بهذا شخصية ابن مسرة الجبلي القرطبي المتوفى سنة 319، ولا يتسع المجال هنا الى التحدث بما كنا نؤمل من تفصيل عن هذا المتصوف الاندلسي العظيم، وقد افرد بحثا لدراسته المستشرق الاسباني اسين بلايتوس استطاع فيه ان يعيد تكوين صورة لمذهبه الذي اندثر وان كان قد ترك آثارا عميقة في الفكر الأندلسي بعد ذلك.

وقد ولد محمد بن عبدالله بن مسرة في سنة 269، وكان ابوه رحل الىالمشرق فسمع من علمائه قبل ذلك واتجه الى الآراء الاعتزالية والكلامية مع تدينه ونسكه ثم عاد فأودع ابنه محمد علمه ثم رحل ثانية الى المشرق فتوفى هناك، أما ابنه محمد فإنه واصل اتجاه والده وكانت له كذلك رحلة الى الشرق حيث درس مع كبار صوفيت هو أهل الكلام فيه، وينص ابن الفرضي على أنه كان يتكلم على تصحيح الأعمال ومحاسبة النفس على حقيقة الصدق وغير ذلك من اشارات الصوفية في نحو من كلام ذي النون الاخميمي وابي يعقوب النهرجوري الذي كان تلميذا غير مباشر لذي النون، وقد عاد ابن مسرة بعد ذلك الى بلده، فاستقر في دار له بناها على جبل العروس، أو الجبل الأسود في شمالي قرطبة، وكان يحيط به عدد من تلاميذه، حتى توفي سنة 319.

على أن كتب ابن مسرة وتعاليمه حينما عرفت وذاعت كانت موضع حملة الفقهاء في أيام هشام المؤيد بن الحكم المستنصر فأحرقت كتب المسريين بأمر قاضي الجماعة محمد بن يبقي بن زرب، وتعقبت السلطات أفراد هذه المدرسة متهمة اياهم بالزندقة.

وقد نص المترجمون لابن مسرة على تأثره العميق بآراء ذي النون المصري وتلاميذه من بعده والواقع أن الذي يتتبع ما حفظ لنا من آراء الصوفي الأندلسي في كتاب انفصل لابن حزم والفتوحات المكية لابن عربي وغيرهما من المراجع المتأخرة ليلاحظ بالفعل أن هناك تشابها بينها وبين آراء ذي النون.

وأول ما نلاحظه من ذلك أن تصوف ذي النون كان خطوة في سبيل تكوين فلسفة وحدة الوجود التي فصلها ابن عربي والتي أشار الى انها تستمد من رأى لذي النون في العرش.

كذلك نشير إلى كلام ذي النون عن اسم الله الاعظم الذي يعتبر العلم به قمة المعرفة، وقد كان هذا أيضا من أسس الفلسفة المسرية وتناوله محيي الدين بن عربي بحديث مفصل كان له أثر بعيد في التصوف المسيي في العصور الوسطى.

ونلاحظ أيضا أن ابن مسرة اتبع في سلوكه طريقة تشبه تلك التي استنها ذو النون، فقد اجتهد المتصوف الاندلسي في أن يكون له ظاهر يقتنع به العامة والفقهاء باعتباره عابدا ناسكا بينما يحتفظ لنفسه ولخاصة تلاميذه بأرائه التي قد تبدو للجمهور بعدا عن الشريعة أوخروجا عليها، وهوفي هذا يشبه ما كان يجري عليه ذوالنون كما سبق ان أوردنا من التفريق بين سلوكين واحد للعامة وآخر للخاصة.

على أن هناك فرقا واضحا بين تفكير الرجلين: فذو النون كان صوفيا بمعنى الكلمة عدوا للآراء المعتزلة، منابذا لأهل الكلام، مناهضا لارائهم في حرية الارادة حتى انه تعرض للاضطهاد من أجل ذلك، أما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت