فهرس الكتاب

الصفحة 4253 من 5287

ابن مسرة فقد ابتدع منهجا غريبا مزج فيه بين التصوف والاعتزال، حتى ان التهمة الكبرى التي وجهت اليه هو وأصحابه كانت أخذهم بما قال به المعتزلة من نفي القدر، والاستطاعة أي حرية الإرادة.

على أن ابن مسرة لم يكن هو المفكر الأندلسي الوحيد الذي استمد لآراء ذي النون الاخيمي فقد ظلت قداسة الامام المصري تاسر الباب الاندلسييين بعد ذلك بمدة طويل، ولعل ذلك يرجع الى اعتدال ذي النون وعدم تطرفه في تصوفه اذا قسناه بغيره من متصوفة العراق، او ايران مثل ابي يزيد البسطامي، او الحلاج

وقد ألف ابن شعبان المعروف بابن القرطبي كتابا سماه"مواعظ ذي النون الاخميمي"متناقلا في الاندلس، وابن شعبان المذكور فقيه اندلسي الاصل استقر بمصر واصبح رئسا للمذهب المالكي بها خلال هذا االقرن الرابع الهجري، كما عرفت بالاندلس خلالا هذا العصر مؤلفات منسوبةالى ذي النون نذكر منها رسالة"سؤال ذي النون المصري بعض الزهاد عن صفة المؤمن"وهي رسالة اذاعها في الاندلس مسلمة بن القاسم القرطبي المتوفي سنة 353 والذي عرف عنه اهتمام بالفلسفة وعلوم التصوف، ولهذا فاننا نجد ان أخبار ذي النون واقواله يتردد صداها في الاندلس كثيرا في ذلك الوقت وتحتفظ بها المراجع الأندلسية كما نرى في كتاب جامع بيان العلم ابن عبد البر، والصلة ابن بشكوال الذي يقص علينا خبرتوبة ذي النون أي تحوله الي الطريقة الصوفية بشكل غريب يختلف عما تذكره كتب التصوف المشرقية:

وعلى الرغم مما كانت تبديه السلطات الرسمية والفقهاء المالكيون من ضيق بأقوال المتصوفية فقد ظهرت في خلال القرن الرابع شخصيات صوفية لها مكانتها، ولو ان الأغلب على هؤلاء هو انهم كانوا يذهبون الى تصوف معتدل مثل ما رايناه من الصوفي المصري الكبير، كذالك اتجه التصوف الى الجمع بين التأمل النظري والعبادة العملية ولاسيما الجهاد الذي كان متنفسا لهذه النزاعات الروحية ولا سيما في ذاك العصر ااذي بلغ الجهاد فيه ضد نصارى الشمال ذروته في ايام الحاجب المنصور بن أبي عامر.

ومن هؤلاء مخارق بن الحكم بن مخارق القرطبي الذي يذكر ابن القرضي أنه كان من زملائه في الدراسة، وكان من العابدين المتهجدين ويقال انه كان مجاب الدعوة، وانه حج على قدميه ثم عاد فكان يتقوت من عمل يديه، وخرج الى أرض الحرب مجاهدا فاستشهد في الغزاة التي فتح فيها المنصور العامري قلنبرية (في البرتغال الآن) سنة 377.

ومنهم كذلك محمد بن طاهر القيسي التدميري الذي تسميه المراجع الزاهد الشديد، وكان قد رحل الى المشرق فسمع من الفقهاء والمحدثين والزهاد وجاور الحرمين ثماني سنوات، وظهرت له في المشارق دعوات مجابة وكرامات ظاهرة ثم انصرف إلى الأندلس مجيبا دعوة والده وكان لا يزال يكتب إليه مع حجاج الأندلس يستدعيه، فلما قدم تدمير تنكب نزول مرسية عاصمة الاقليم لسبب رآه لم يكن يستحل معه سكنى مرسية ولا الصلاة في مسجدها الجامع ونزل قرية بخارجها نسبت بعد ذلك إليه وابتنى لنفسه بيتا من الحطب والشعر كان يأوي اليه، وكانت له هناك جنينة يعمرها بيده ويتقوت منها، وكان مع ذلك لايدع الجهاد مع المنصور العامري وشهد معه فتح سمورة وقلنبرية ثم سكنى قريته واستقر بالثغر وواصل الرباط وكانت له في الباس والشجاعة حكايات عجيبة، ثم مازال يرابط في طلبيرة، وكانت ثغرا من اعمال طليطلة حتى استشهد في سنة 379، وتروى عن هذا الرجل الصالح قصص في جهاده باليد واللسان تسطر اسمه في سجل اعاظم الرجال، ويذكر عنه في مصر انه كان السبب في أن يهوديا من كبار رجال الدولة اعتنق الاسلام بعد رؤيا رآها الزاهد الاندلسي.

كذلك اهتم بعض متصوفة الاندلس بالتقليد الذي كان شائعا في المشرق وهو السياحة الصوفية، ومن هؤلاء عطية بن سعيد المتوفي سنة 409 والذي طاف بلاد المشرق حتى وصل الى بلاد تركستان وما وراء النهر وكانت له مكانة جعلت اصحاب ابي عبد الرحمن السلمي صاحب طبقات الصوفية يلتقون به حتى ضاق به الصوفي البغدادي واورد له مترجمون كرامات كثيرة، كما ألف في التصوف كتبا تناقلها الناس، وكان له اهتمام بجمع اخبار ذي النون المصري، وقد اورد الحميدي والخطيب البغدادي في ترجمته ابياتا ينسبها الصوفي المصري يقول فيها

اقلل مابي فيك وهو كثير

وازجر دمعي عنك وهو غزير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت