فهرس الكتاب

الصفحة 4261 من 5287

إن المعسكر الشرقي قد فلسف الحياة فلسفة خاصة وأراد تحقيق آمال الإنسانية عن طريق القضاء على الطبقات والطبقية وتوزيع الثروة توزيعا - كما يقول - عادلا على أتباع الدين الجديد وجعل الدولة وكيلة عن المؤمنين، ولكن لا تتوصل إلى ذلك إلا بإقرار ديكتاتورية تسلب المؤمن كرامته الإنسانية وحقه في الحياة حرا يقول ما يشاء ويقرأ ما يحب ويفكر كيف يريد ويستمع لمن يهوى ... أرادت الفلسفة الشيوعية أن تسعد الإنسان عن طريق ملء بطنه وتجريده من الحرية، فاشترت منه تلك الحرية بأن له الخبز، أرادت أن تنقذه من ظلم القيصرية والإقطاعية والرأسمالية فأوقعته في قبضة الديكتاتورية والصرامة ومحاكم التفتيش من نوع جديد، كان قديما يستبد القوي بالضعيف، فاستبد الضعيف"بالقوي"، وهكذا ضاعت العدالة هنا كما ضاعت هناك، وأصبح حق الضعيف دائما مضيعا بانتقال صفة القوة من طبقة إلى أخرى، أرادت الشيوعية أن تشعر الإنسان بقيمته فساوته بالآلة، وأحاطته برعاية كالتي تستحقها الآلة، وبذلك استطاعت الشيوعية أن تخترع الصواريخ الموجهة وأن ترفع علمها على سطح القمر، ولكنها لم تستطع أن تدع الناس يتنفسون بغير رئتها، ويفكرون بغير فكرها، ويتكلمون بغير لسانها، وقد شاءت أن تصطنع السلام كما تشتهيه وتهواه، السلام تحت ظل الراية الحمراء الموشاة بالمطرقة والمنجل، ولكن هذا السلام بعيد عن تحقيق آمال الإنسانية مع العبودية والخنوع.

والراسمالية فلسفت الحياة فلسفة خاصة لتسعد"إنسانها"فأطلقت لهذا الإنسان حريته المحجورة، وحررت غرائزه المكبوتة، وألهبت مطامعه المجنونة، وجعلت الدولة حارسة لهذه الحريات حتى ولو تحولت الى انحراف في الغريزة وإلى شذوذ في الطبيعة وعدوان على حرية الضعفاء واستعمار بلاد الأبرياء، وامتصاص دماء الشعوب، وتسخير جماهيرها، ونهب خيراتها، وإذلال أعزائها وإعزاز أذلائها، ونتيجة هذه الفلسفة رأينا أسواقا من النخاسة جديدة تقام في العواصم الغربية لبيع الشعوب وشرائها والتآمر عليها فرأت الأجيال المستضعفة غطرسة، ووحشية، وأخلاق الغاب، وجبروتا وقساوة من أبناء العالم المتحضر وأممه التي كانت نهضتها ورفاهيتها وسعادتها على حساب انحطاط وبؤس وشقاء، وسفك وتعذيب، وخنق المستضعفين في الأرض.

واصطنعت الدول الرأسمالية"السلام"، ولكنها تعني"السلام"المغلق الذي خلق من أجل الرجل"المتحضر"ولرفاهيته، ولكن الشعوب الضعيفة مجت هذا السلام مجا كما مجت سلام الشيوعية.

وهل يمكن أن يحقق السلام من لا يؤمن به، ولا يتخذ له وسائله المشروعة؟

وكل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا

وإن وجدت الشعوب الضعيفة بعض الراحة في اختلاف الذئاب على الفرائس فإن هذه الفرصة قد لا تطول، فقد يتغيب هذا أو ذاك، أو قد يصل الطرفان لإقرار السلام على حساب المستضعفين أو قد يشركانهم في الخراب الشامل الذي سوف يعم الجميع.

ولهذا كان على هذه الشعوب أن تقضي على العوامل القاتلة والمعوقة لنموها وفاعليتها وتحررها الكامل حتى لا تضيع الفرصة من يدها.

ويجب أن تدرك هذه الشعوب أنها لا تعاني مشكلة ضعف في مواردها، أونقص في مواهبها أو ضآلة في إعدادها أو فقر في استعدادها بل المشكلة التي تعيق انطلاقها هي ضعف في روحها وعقيدتها، وتضعضع في إيمانها، وتبرز هذه الظاهرة المرضية في العالم الإسلامي الذي كان من الممكن أن يسهم في إنقاذ المستضعفين من الشعوب الأخرى لو أنه اختصر على نفسه الطريق وسلك سبيل التحرر من ربقة التبعية الثقافية والعقائدية، واستقل بفكره عن كل التيارات، وآمن بالفكرة التي تنسجم معه وتوقظ فيه كوامن العزة والقوة والخير.

لكن الذي يؤلم هو أن معظم القيادات الثقافية لا تعير للإسلام أي اهتمام، وتؤثر - لعوامل ذاتية- أن تسير في ظلال هذا التيار أو ذاك، وأن ذلك ليس في الواقع إلا تأريث أسباب الأزمات في الداخل والخارج وإسهاما في تعقيد الحياة الوطنية والعالمية، ولو أن هذه الطاقات التي تبدد في الدعوة إلى الغرب أو"الشرق"وجهت إلى الدعوة إلى الإسلام لاستطعنا أن نخلق -حقا- خير أمة أخرجت للناس، ولاستطنا أن ندخل الصراع العالمي مبشرين، ورسل حب وسلام ودعاة خير وجمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت