فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الأشياء الموجودة ههنا كلها ابتدأت من أصل واحد مبدأ الارتقاء في هذا الأصل إلى أن خرجت إلى عالم الوجود مختلف أنواع الأشياء لسبب كذا وكذا من أسباب البيئة، ثم بدأت هذه الأنواع تتصارع بينها وحاول كل واحد منها أن يسابق غيره لجعل نفسه موافقا لبيئته وللاستفادة من القوى المنتشرة فيها، فكل نوع لقي الفشل في هذا الصراع، انقرض، وكل نوع نجح فيه اصطفته البيئة للبقاء والحياة، وهذا الصراع هو الذي سبب ارتقاء أشكال هذه الأنواع المختلفة وصفاتها، وفي هذا الصراع للبقاء توقفت أشياء من نوع خاص وظلت تتحول شيئا فشيئا إلى نوع آخر.
فيقول معتمدا على قياسه مثلا أن نوع العجلة ما زال يجهد نفسه إلى مدة من الزمان حتى بدأت تظهر التغيرات في هيئة بعض العجلات الذكية وبآخره تبدلت إلى العربات، ثم بدا نوع العربة- كذلك- يقلق ويبذل جهده حتى بدا يحدث التغير في هيئة بعض العربات النشيطة إلى أن تبذلت أخيرا إلى السيارات، ثم إن السيارات لما رأت أشجارا عالية وبيوتا شاهقة وجبالا تناطح السماء، رغبت في الارتقاء عليها والتحليق في الجو فوقها وبدأت تحس في نفسها القلق والاضطراب لذلك إلى أن ظهرت في بعضها الأجنحة وأخيرا تحولت إلى الطيارات.
ويقول من مع هذا المحقق الجليل من تلاميذه: إن التطور والارتقاء إذا كان إنما حصل هكذا تدرجا أي من العجلة إلى العربة نومن العربة إلى السيارة ومن السيارة إلى الطيارة، فلابد أن توجد هناك بين العجلة والعربة، وبين العربة والسيارة، وبين السيارة والطيارة مراكب عديدة تقطع المسافة الواقعة بين كل نوعين من هذه الأنواع، كما انه من اللازم أن توجد على كل خطوة خطوة من هذه المسافة مراكب عديدة بعضها وراء بعض على صورة قافلة مثلا يجب أن أتوجد في المسافة الواقعة بين العربة والسيارة مراكب لا تكون عربات كاملة ولا سيارات كاملة فتكون بعضها لم تخرج بعد من مرحلة العربة وتدخل في مرحلة السيارة بينما تكون بعضها الأخرى خرجت من مرحلة العربة ودخلت في مرحلة السيارة، وهكذا يجب أن توجد هناك مراكب عديدة بين مرحلتي السيارة والطيارة فلا هي سيارة ولا هي طيارة.
والأستاذ المحقق عند ما يسمع من تلاميذه هذا السؤال، يتفكر مليا ثم يقول: نعم يا أعزائي أن هذه المراكب الوسيطة التي تسالون عنها بين كل نوعين من هذه الأنواع، لعلها تكون قد وجدت، انظروا إلى هذه العربة التي أمامكم، أظن أنها تحولت أولا إلى «العربة السيارة» ثم إلى «السيارة العربة» حتى اكتملت سيارة آخر الأمر. ثم تكون السيارة- كما أظن- بذلت جهدها فتحولت إلى «السيارة الطيارة» أو ثم إلى «الطيارة السيارة» بعده إلى أن أصبحت طيارة آخر الأمر كما ترونها الآن فهذه المراكب الوسيطة التي قد سميتها لكم لابد أن توجد في الأرض حتى اليوم فاذهبوا باحثين عنها تحت أكوام التراب.
يقول الأستاذ هذا، ويسكت إما التلاميذ، الذين جاؤوا معه إلى الأرض مضمرين في نفوسهم نوعا من الحقد على الإنسان منذ ذي قبل، فآمنوا بتحقيق أستاذهم الأنيق إيمانا جعلهم يخرجون من كلامه كلمات «لعل» و «ظن» ويبينونه الناس ويشرحونه في خطبهم وكتباتهم بكلمات اليقين والجزم وبدون كلمات «لعل» و «أظن» . وها نحن املاء نرى دروسهم العلمية تتخل فيها كلمات «السيارة الطيارة» و «الطيارة السيارة» الخيالية بكثرة كاثرة كأن هذه أشياء موجودة محفوظة في متحفهم يقينا، مع انه أن كان هناك شيء له وجوده في حقيقة الأمر، فإنما هو العجلة والعربة والسيارة والطيارة.
إن هذا المثل لينطبق تماما على نظرية داروين والقائلين بها. انك إذا درست ما لهذه النظرية من الكتب الأساسية، علمت أن هذه النظرية لا يقوم كل بنائها إلا على أساس «لعل» و «أظن» مع إن الأمر الجدير بالاعتبار في العلوم، إنما هو اليقين والأمر الواقع، لا القياس والتخمين والرجم بالغيب، وأقول إن كان هناك نوع من الاعتبار للقياس والتخمين في العلوم فكيف وعلى أي أساس يمكن التفريق بين قياس وقياس ولا سيما إذا كان احد القياسين أقوى واقرب إلى التعقل من الآخر؟ إنكم إذا كنتم مستعدين لان تقبلوا حتى القياس والتخمين في تفسير المشهودات، فكيف لكم أن تردوا قياسي إذا قلت على أساسه بان بدء الحياة والتنوع والتفاضل بين الموجودات إنما يكون قد حصل بأمر حكيم عليم وتدبيرهن وهو اقرب إلى التعقل وأسهل على الفهم وأحظى القبول من قياس