فهرس الكتاب

الصفحة 4351 من 5287

«العقيدة» التي لا تعلل بالمنطق والفلسفة، وأصبح لذلك مجتمعا ذا عقيدة لا تناقش. وحينئذ لا يكون المجتمع الذي يضع «العلم» موضع العقيدة، والذي يطلب إلى أفراده مكافحة «الرجعية» في صورة الإيمان والاعتقاد، أي إيمان وأي اعتقاد، والذي يطلب إليهم «التحرر» دوما من الإيمان والاعتقاد.

مبدأ التطور:

إنما مبدأ التطور فقد استعارته الماركسية من «دارون» ، واستخدمته في التدليل على أن الحال التي يصير إليها الكائن الموجود أفضل من الحال التي كان عليها من قبل، وأكثر قيمة وأولى بالتبعية. والمجتمع ككائن من الكائنات الموجودة سيصير في تحوله من وضع إلى وضع، وعندئذ يكون وضعه التالي لوضع سابق عليه هو أفضل وادخل في معنى القيمة، وأجرد إذن بان يتبع. ومنطق ذلك أن المجتمع العمالي- وهو المجتمع الشيوعي- أفضل من وضع المجتمع السابق عليه وهو الرأسمالي، وهذا أفضل من المجتمع الإقطاعي الذي تحول عنه، والإقطاع أفضل من المجتمع الملكي الذي تقدم عليه.

ومن مبدأي «النقيض» و «التطور» أبرزت ظاهرة ملازمة لهمان على أنها ظاهرة عامة في الوجود، وهي ظاهرة «التغير» يخضع لها كل كائن في انتقاله من وضع آلة نقيضه، وفي تطوره من مرحلة إلى مرحلة أخرى.

وبإبراز هذه الظاهرة وبأنها مصاحبة لوجود كل شيء، تحاول الماركسية أن تدعي أن إثبات «القيم» الأخلاقية في الحياة الإنسانية أمر يضاد طبيعة الأشياء وطبيعة الوجود، وان القيم لذلك تتغير كما يتغير كل شيء. وإذن الفضائل في سلوك الإنسان تختلف من وقت لوقت. وما يعد فضيلة في وقت لا يصح أن يبقى دوما على انه فضيلة، بل قد تكون الفضيلة في ضده.

ومعنى هذا الادعاء الذي تدعيه الماركسية عن طريق ظاهرة التغير- إن الذي ورد في رسالة الأديان أو قامت عليه الفلسفة الأخلاقية المثالية من مثل أن «العدل» و «الحرية» الفردية والمحافظة على «حرمة» النفس والمال والعرض، فضائل- قد يتحول إلى رذائل، وتكون الفضيلة في ضده حسبما تأتي به عوامل التغيير والتبديل في الحياة.

وإذا كان مبدأ النقيض تقصد به الماركسية إقناع الناس بضرورة تحول المجتمعات إلى المجتمع الشيوعي العمالي مهما طال الأمر، وان هذا المجتمع العمالي هو المصير المحتوم للإنسانية- فإنها تهدف من مبدأ التطور إقناعهم بأفضلية هذا المجتمع نفسه في القيمة وبذلك يكون اندفاع الناس إلى قبول هذا المجتمع- وكذا إلى السعي في تحقيق وقوعه أن لم يكن تم بالفعل في مجتمع ما- ليس لأنه القدر المحتوم للبشرية عامة، ولكن لأنه الأفضل الذي لا يدانيه في الفضل مجتمع سابق عليه.

كما تستهدف بظاهرة التغير التي تصاحب الميداين، تسفيه رأي الدين ورأي الفلسفة الأخلاقية المثالية في القيم والفضائل، ورمى كليهما بالغباء وعدم الفهم لقوانين الوجود، وبالتالي عدم مسايرة طبيعة والحياة. ورجال الدين وكذا الفلاسفة العقليون المثاليون «رجعيون» يقفون بالحياة عند خط معين. وبينما غيرهم ينظر إلى الأمام حسبما توحي قوانين الطبيعة، ينظرون هو إلى الخلف ويستمرون في نظرتهم إلى هذا الخلف غاضين البصر عن ركب الحياة وسيره قدما.

وبهذا أو ذاك تبني الماركسية في قيمة المجتمع الشيوعي بمقدار ما تهدم في القوى التي تقف في طريق إقبال الناس على التبعية له، وفي مقدمتها الدين والمثالية العقلية. وهي لا تبنى في جانب وتهدم في جانب آخر بالدعاء على هذا النحو فحسبن بل أيضا باستخدام مصطلحات تجذب الميل إلى ناحية، وتنفر من البقاء في ناحية أخرى. فهي تستعمل كلمة «التقدمية» في جانب ما تدعو إليه، وهو مصطلح جذاب. بينما تستعمل «الرجعية في جانب ما تحاول هدمه وتقويضه، وهو الدين والفلسفة الأخلاقية المثالية.

ولكن الماركسية في تطبيق ظاهرة «التغير» على القيم الإنسانية تحاول الخداع في واقع الأمر، كما اثبت نفس الشيء تطبيقها لمبدأ «النقيض» على المجتمع: إذ وقفت بهذا المبدأ عند المجتمع الشيوعي. وبذلك أوقفت سير المبدأ وحدت من اعتباره كقانون عام للوجود له طابع الدروان والاستمرار فيما يدور فيه.

فالقيم الإنسانية هي المستويات العليا في السلوك الإنساني. هي النهايات لتطور الإنسان في إنسانيته. وإذا كانت هي نهايات لتطور الإنسان في إنسانيته فهي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت