فهرس الكتاب

الصفحة 4358 من 5287

المبشرين والمستشرقين كانت دائما لها الغلبة، وكانت هي التي تتردد في صحف مصر والعالم العربي لا على أنها نظريات قابلة للنقض، ولكن على أنها حقائق ثابتة، ومما يذكر في هذا الصدد أن (رينان) عند ما عرض آرائه عن العرب والسامية وراجعه فيها (جمال الدين الأفغاني) لم يجد أمامه إلا أن يعلن انه سيعاود النظر في مراجعه على ضوء ما أورده جمال الدين في الرد عليه، ومع ذلك فان دعاة التغريب حملوا هذه النظريات في الهجوم على الإسلام والأمة العربية، واللغة العربية كحقائق تفرض فرضا.

وقد واجه الفكر العربي في قوة وصراحة ووضوح وعلى نفس المنهج العقلي والمذهب الغربي في البحث كل ما عرضه المبشرون والمستشرقون وخصوم العرب والإسلام، وكشف زيفه، وأبان أن هذه الحملة لم يقصد بها إلا توهين عرى الإسلام وتشويه صورته، وصرف أهله عنه.

وقد عمل الفكر العربي جاهدا على رد كل الشبهات التي آثراها المبشرون والمستشرقون ودعاة التغريب، وكشف الفكر العربي عن جوهر الإسلام في انه عقيدة ونظام، وان مبادئ الإسلام وتعاليمه صالحة للمجتمع على اختلاف الزمان والمكان، وان أركان العقيدة الإسلامية بسيطة قوامها التوجيه، وقد اقر الإسلام حقوق الحرية والإخاء والمساواة بين الشر، وألغى العصبية وفوارق الأجناس والألوان والدماء، وجعل أساس التفاضل بالعمل، وحرم العصبية القبلية، ودعا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر المحبة بين الناس، وحمل لواء الجهاد في سبيل الدفاع عن العرض، والأرض، والوطن، ونهى عن عبادة غير الله، وتشمل الشريعة الإسلامية كافة التكليفات الشرعية العلمية، وتنظيم العلاقات بين الناس في الأسرة والمجتمع بما يحقق قيام مدنية فاضلة تقوم فيها العلاقات على دعائم ثابتة ودعا إلى الحج كمؤتمر إسلامي عام.

وقد نظم الإسلام المجتمع على أساس الخلق والتعاون والتكافل، وأقام الأسرة على أساس المودة ونظم العلاقات بين الناس، وفرض نظام الشورى في الحكم، وأعلن احترامه للكرامة الإنسانية والعدالة وعدم التفريق في القضاء بين الغني والفقير أو الأمير والسوقة، وأعطى توزيع الأعمال بمقدار الكفاية، وعالج الفقر بنظام العدالة الاجتماعية، وجعل للفقير في مال الغني حقا معلوما هو الزكاة تجمعه الدولة، وواجب على ولي الأمر أن ينفق على الفقير العاجز، وللقاضي أن يحكم له بما يكفيه من بيت مال المسلمين، واوجب على أهل كل قرية أن يقوموا بسداد حاجة فقرائها إن لم تكف الزكاة، وأعطى المرأة حقها، ومنحها حرية الإرادة في البيع والزواج والشراء، وحث على طلب العلم وأقام الحكم العقلي فيه على أساس البرهان (قل هاتوا برهانكم) .

وقام الإسلام على قاعدة: لا ضرر ولا ضرار وعلى سد الذرائع، وإعطاء الوسائل وأحكام المقاصد والغايات، فكل ما أفضى إلى مباح فهو مباح، وكما أباح إعطاء الظن الغالب حكم اليقين المجزوم به، وقرر تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض، ودعا إلى المساواة بين المسلمين في الأحكام وكذلك بينهم وبين من له ذمة وعهد، فان لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وعمل على تقدير كثير من الأحكام بما تعارف عليه الناس وأعلن أن من اجتهد وأخطأ فله اجر واحد، ومن اجتهد وأصاب فله أجران.

وكان (الإسلام) واسع الأفق في لقاء الحضارة الغربية الحديثة، وقد حرر الفكر العربي نفسه بفتح باب الاجتهاد قبل أن تصل طلائع الغزو الغربي، فان علماء القرن الثامن عشر قد دعوا إلى الفتح باب الاجتهاد بعد أن ظل مغلقا فترة طويلة، وأعادوا تفسير قوانين الإسلام وكشفوا عن وجه الإسلام الحقيقي بعد أن رفعوا الغشاء الذي خلفه الجمود والتقليد في الدولة العثمانية.

وكانت الحركات الوهابية والسنوسية والمهدوية، وهي حركات منفصلة قامت في الحجار وليبيا والسودان علامات على وضوح مفاهيم الإسلام الحقيقية من تحرير الفكر وتحرير الوطن في نفس دعاتها، قد عملت هذه الدعوات على التحرر من قيد التقليد والعودة بالإسلام إلى منابعه الأولى وفي نفس الوقت وقاومت الاستعمار التركي والغربي.

كما توافرت في (الإسلام) خلال معركة المقاومة التي شنها على الغزو الثقافي والتدخل الأجنبي مرونة واضحة في تقبل الحضارة وتمكين المجتمع الإسلامية من التطور والعمل للتوفيق بين الحضارة وبين أسس القيم الروحية والفكرية العربية التي كانت أساس ضروريا لبناء المجتمع الجديد.

القاهرة: أنور الجندي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت