فهرس الكتاب

الصفحة 4374 من 5287

أوربا ويقظة الشعوب النامية:

أما اليوم، فقد ضاع من أوربا ذلك الامتياز، وأصبحت جزءا صغيرا من عالم كله حياة ونشاط وطموح، عالم استيقظ من سباته وكله ظمأ إلى المعرف والتقدم، عالم استعاد كل مؤهلاته للحياة، لقد كانت أوربا من قبل تستطيع أن تستأثر لنفسها بأسرار وحيل ووسائل كانت هي قوام قوتها وسيطرتها، ولكن تلك الأسرار والحيل والوسائل أصبحت اليوم في متناول الجميع، فالعلم لم يعد علم ارويا وحدها، والتقنيات والفنون والصانعات على اختلاف أنواعها لم تعد سرا من أسرارها تدل به وتضمن على أبناء البشر.

لقد تعلم أبناء القارات الأخرى، وتدربوا واكتسبوا تكوينا يتلاءم وحاجيات العصر «وتساوت الأكتاف» كما نقول في تعبيرنا المغربين ولم يبق هناك لأوربا من فضل إلا فضل المعلم بعد أن يصبح تلميذه في مستواه.

ولم يكن هذه اليقظة، يقظة الشعوب الفتية، بالحادث الذي ترتاح له أوربا وتحبذه وتصفق له، بل عملت كل ما في المستطاع لتؤخر وقوعه ولجأت إلى كل الحيل والوسائل، ولما لم ينفعها شيء من ذلك ورأت الخطر يحدق من كل جانب بنفوذها وسيطرتها أماطت اللثام عن وجهها وراحت تقاوم التيارات الجديدة التي نبعث في مختلف أنحاء العالم فتقابلها باللين والمداراة تارة وبالعنف والقوة أخرى، فكانت تلك السلسلة الطويلة من الأزمات والحروب الاستعماري التي امتدت على عشرات السنين.

ولم تستطع أوربا أن تقاوم طويلا إرادة الشعوب الثائرة، وأصبحت تتضايق من هذه الأزمات الطويلة المستعصية وهذه الثورات المتأججة في كل مكان وغدت تنفق من كيسها أكثر مما ترد إليه، فانسحبت من الميدان شيئا فشيئا وسلمت بالأمر المحتوم. ولم تجد لنفسها في النهاية بدا من التخلي عن جبروتها وكبريائها ومعاملة أمم القارات الأخرى معاملة الأنداد.

والحق أن أوربا المستعمرة كانت تعيش في وضع شاذ وفي موقف ضعف بسبب المتناقضات التي تشوب حضارتها وأيضا بسبب غلبة الشهوة لديها على جانب العقل.

فالحضارة الأوربية، إن تركنا جانبا مجسماتها المادية، استطاعت أن تتوصل في الميدان الفكري والأخلاقي، إلى إبراز بعض المثل والمبادئ والأفكار التي دخلت في المفاهيم الجماعية واصطبغت بها عقلية الأوربيين نوعا ما.

ولنا في وثيقة حقوق الإنسان مثال واضح، فهذه الوثيقة، وان كانت لها جذور عريقة في الديانات السماوية، يمكن أن نعتبرها من مكاسب الحضارة الأوربية التي استطاعت والحق بقال أن توجد لها الأساليب العلمية لتطبيقها وتشخيصها في الواقع اليومي.

لكن أوربا لم تستطع أن تكون منطقية مع نفسها فتؤدي رسالتها الإنسانية إلى النهاية، وهكذا، فقد دفعتها أنانيتها وعجرفتها إلى حصر العمل بوثيقة حقوق الإنسان في نطاق حدودها، أما خارج تلك الحدود، فقد أباحت لنفسها التصرف حسب شهوتها ومصالحها.

وهذا الموقف الأناني المتناقض جعلها دائما بضمير قلق مضطرب وتفقد القوة المعنوية التي يحملها كل من يدافع عن قضية عادلة. ثم أنها حينما نقلت أساليبها الحضارية وأنظمتها ومنشآتها العمرانية إلى القارات الأخرى أوجدت ظروفا اقتصادية وسياسية واجتماعية كان من المحتوم أن تدفع التاريخ إلى الأمام وتنقلب عليها في النهاية.

وبالجملة، فالحضارة الأوربية عندما ننظر إلى أسسها العقلية والفكرية، نجد أنها تنحو إلى تحرير الإنسان وإنقاذه من الجبرية الطبيعية والبشرية، ولكن عندما ننظر إلى الصور التي تجسمها في الواقع والى الوجهة التي أقحمها فيها أبناؤها، نصادف متناقضات وانحرافات أدت إلى فشلها المعنوي.

ولا أدل على هذا الفشل من كون أوربا، بالرغم من أستاذيتها وتفوقها الحضاري، لم تستطع أن تحتفظ لنفسها في قلوب أبناء القارات الأخرى بقدر من العطف الحقيق الخالص الذي لا تشوبه شائبة، فالكل يأخذ عنها ويتعلمها، ولكن الكل يستنكف من أنانيتها وجسارتها وخداعها وينظر إليها في حيطة وحذر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت