فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وثبة الشعوب النامية تثير المخاوف:
لقد انتهى اليوم عهد السيطرة الأوربية في العالم فالقارات الأخرى تحررت كلها تقريبا، وبدأت شعوبها تنظم نفسها وتتهيأ لتأخذ مركزها الطبيعي بين مختلف الأمم، وأخذت أوربا تشعر بضآلة حجمها ومحدودية إمكانيتها بالنسبة لتكل القارات.
ومن شأن هذا الوضع أن يثير في نفسها تخوفات بالنسبة للمستقبل، فهي إن كانت في الظروف الراهنة تتمتع بتفوق حقيق في ميادين الإنتاج وتتوفر على رصيد ضخم من المؤسسات والمنشآت والعلم والأساليب التقنية، فلا بد أن يأتي يوم تصبح فيه الشعوب الفتية المتسابقة نحو المدينة والتقدم وقد أدركت شأوها وباتت تنافسها في مضمار العلم والحضارة والإنتاج، ولنا خير شاهد في مثال أمريكا التي كانت تقتفي اثر أوربا بالأمس وتأخذ عنها، فأصبحت اليوم تبزها في كل شيء، ثم ها نحن الآن نرى الاتحاد السوفياتي والصين واليابان تزاحم أوربا في سائر ميادين الإنتاج.
ولن يفوت زمان طويل حتى نرى أمم آسيا وإفريقيا تتسابق في خطى مسرعة لتتبوأ مثل هذه الدرجة، لقد أصبحت كل الشعوب واعية بوسائل تقدمها وأصبحت المناهج والأساليب العلمية لإدراك هذه الغاية ملكا مشاعا بين الجميع، ولم يعد هنالك أي سر مخبؤ أو أي عملية سحرية لا يعرفها إلا بعض المحظوظين، فالمسالة إنما هي مسالة زمان، والشعب الذي يفهم كيف يقتصد في الوقت هو الذي سيشق طريقه الأول في هذه الوجهة.
أمام هذا الخطر الذي يهدد مستقبلها، بدأت أوربا تقوم بنقدها الذاتي في خاصية نفسها وتستقري مواطن ضعفها وتتهيأ من الآن لمجابهة الأحداث المقبلة بخيرها وشرهان ولقدرات أن سبب ضعفها يكمن قبل كل في انقسامها إلى عدة دول تتنافس فيما بينها وتكيد لبعضها، فقر عزمها على أن تضع حدا لذلك الانقسام وان ترفع القواعد لبناء وحدتها حتى تكون كتلة متماسكة ومستقلة سياسيا واقتصاديا لها تأثير قوي في المسرح الدولي.
أوربا بين أمريكا والاتحاد السوفيات:
والحق أن تحرر الدول المتخلفة وانطلاقتها لم تكن هي الباعث الوحيد لأوربا على السير في هذا الاتجاه، فهناك، من جهة ثانية، النفوذ القوي الذي تتمتع به في العالم كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ذلك النفوذ الذي تقلص أمامه ظل أوربا وأصبحت تابعة بعد أن كانت متبوعة.
فأبناء هذا الجيل لا يزالون يدركون كيف أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي لم يظهروا على المسرح العالمي كدولتين متفوقتين إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت أوربا قبل ذلك هي الحائزة لقصب الشيق والقابضة على زمام السياسة الدولية، إلا أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي كان في يدهما إمكانيات عظيمة لتوسيع قوتهما الاقتصادية، فكل منهما قطر واسع الأرجاء يعدل بأوربا مساحة، وكل منهما يتوفر على موارد كبيرة من الطاقة، سواء منها ما تولد عن الفحم أو عن الغاز أو عن الكهرباء أو عن البترول أو عن غيرها، والطاقة كما لا يخفى هي أساس الصناعة والتقدم الاقتصادي.
وسرعان ما تفوق هذان القطران على أوربا في سائر الميادين، مما جعل مركز القوة والقيادة ينتقل شيئا فشيئا من أوربا إلى هاتين الدولتين اللتين أصبحتا تتنازعان الزعامة على العالم.
ونزلت الدول الأوربية، رغم مكاسبها الحضارية إلى درجة الثانية، وقد كان نزولها اضطراريا إذ لم يكن لها حيلة في إيقاف التقدم السوفياتي والأمريكي، وقد جاءت ظروف الحرب العالمية الثانية فأنهكتها واستنفدت منها الجهد والقوى وآلت بها في النهاية إلى حالة من الانهيار والبؤس، ولم يكن لها بد آنذاك من الاستنجاد بالولايات المتحدة وطلب معونتها، وكان من نتائج الدين المادي والمعنوي الذي طوقت بهما عنقها أن أصبحت تسير نوعا في ركاب السياسة الأمريكية.
والواقع أن انقياد أوربا لأمريكا لم يكن إلا مجاملة مؤقتة يزول الاحتياج والاضطرار وبالفعل، فما أن تنفست الدول الأوربية الصعداء وبدأت تسترجع قوتها الاقتصادية حتى أصبح بعض القادة والأوربيين اليوم لا يخفون رغبتهم في الاستقلال عن أمريكا وتكوين كتلة ثالثة تكون فيها الزعامة لأوربا.