فهرس الكتاب

الصفحة 4385 من 5287

المماثلة لها في مختلف الأنحاء، وكان موضوع مستقبل الجالية الفرنسية يثار أحيانا على صورة أو أخرى بصدد الاستدلال على ذلكن وكانت هناك نواح أخرى في الموضوع تصطنع اصطناعا ويلقى بها دائما في مجال البرهنة على تعقد القضية الجزائرية وتشعب جوانبها على هذا النحو أو ذاك، ألا إن كل ذلك لم يكن ليؤثر على أي مصدر من مصادر الرأي العالمي، البعيدة عن الانفعال بالاتجاهات الامبريالية العتيقة، ولم يكن له أيضا أن يعدل من وضوح الحقيقة السافرة، وهي أن الوضع الاستعماري الذي كان ماثلا في الجزائر يشكل مظهرا من اغرب مظاهر الشذوذ والنشوز في العالم، وذلك بالنظر للتطورات التاريخية الحاسمة التي أصبحت تتحكم في توجيه مصاير الأمور والأحوال على وجه الأرض، لقد كان من الجائز أن تدرك كالأوساط التوسعية مثل هذه الحقيقة، وتعمل على التلاؤم معها بشكل عملي وصحيح، إلا أن هذه الأوساط أيضا- بالنظر لكثير من الاعتبارات- لم يكن لها لتتخذ مثل هذا الموقف، وليس من المعقول أن ينتظر منها ذلكما دام لا ينسجم مع طبيعة اتجاهها من أساسه. والنظام التوسعي القديم- وان كان يمثل حقيقة واحدة ومشتركة- فانه كان يتقمص أحيانا صورا مختلفة وتقوده أهداف وغايات متعددة تتراوح من مجرد الاحتفاظ بالقواعد والمحطات عند البعض، إلى الإمعان في سيادة الإبادة البشرية عند البعض الآخر، ولأوضع السابق في الجزائر- وان كان لا يعكس كل مظاهر الحالة الأخيرة فانه كان يماثلها في كثير من الجوانب، فقد كان هناك اتجاه- في ظلال هذا الوضع برمي إلى إقرار نوع من الإدماج المطلق ليس لمداه من نهاية إلا تجريد الحقيقة الجزائرية من محتواها الطبيعي العادي وتحويلها بالتدريج إلى حقيقة مصطنعة بتيسر معها أسلوب الإبادة السياسية في الأخير بشكل دقيق وغير مباشر، وبالطبع فان التحديات التي واجه بها الشعب الجزائري مثل هذه الاتجاهات هو الذي اثر عليها وساعد على إقبارها من الأساس.

وتقوم الدولة الجزائرية الآن تجسم الكيان العربي في المغرب الأوسط كما يجب أن يكون هذا الكيان في نوعيته وتركيبه واتجاهاته، وتطورات الوقائع على هذا النحو الطبيعي المعقول، واستقرارها في الأخير على أساس سليم، مثل هذا النوع، كل ذلك يشكل مظهرا من أهم المظاهر التي تضفي على الاستقلال الجزائري أهميته واعتباره وتحدث فيه كثيرا من الانعكاسات التي تمتد على آفاق دولية وعالمية واسعة، فاستقلال الجزائر يرتبط- في هذا النطاق- بالتطورات العالمية على أوسع نطاق محتمل، وهذا الارتباط يجعل الاستقلال الجزائري شديد التفاعل مع الواقع التحرري الإنساني في بقية المناطق الواقعة تحت وطأة التبعية لحد الآن سواء في إفريقيا أو آسيا وغيرهما، ويتضح ذلك من مغزى وجود الكيان الجزائري، والمدلول الذي يعبر عنه ذلك من وجهة النظر الفلسفية والواقعية، ذلك أن قيام هذا الكيان متحررا مستقلا يعني- بكل بساطة الانتصار المطلق على مبادئ الاستلحاق الصرف، والإبادة السياسية المنظمة، والاستخلاف الجنسي القاهر، وكل هذه حالات تشاهد لها أمثلة عديدة بالأقطار المستعمرة في إفريقيا بصورة اخص، وآسيا في نطاق محدود، وليس من شك في أن المثال الجزائري ستكون له في هذا المجال انعكاسات مهمة وعميقة تتأثر بها الحركات التحررية سواء بجنوب إفريقيا أو انكولا أو الموزمبيق أو غير ذلك على اختلاف ما تمثله الأوضاع في هذه الأقطار من جوانب وحقائق فليس ممكنا في أية حالة معقولة أن تلاقي الاتجاهات التوسعية الاستلحاقية مثل هذا المصير الذي لقيته على الصعيد الجزائري جون أن تتوافر الشروط الضرورية من الناحية المبدئية لإمكانية تحقيق حالة مماثلة لذلك في الأقطار الأخرى التي تعيش شعوبها في نفس الأوضاع والظروف، فمبدأ انفتاح الظواهر من هذا النوع قد أصبح أكثر إمكانية من أي وقت مضى، والمثال المنتج الخلاق الذي يعكسه الواقع التحرري الجزائري قد أصبح في مستوى الإعطاء لمناهج حقيقية صحيحة وجديرة والإتباع، وتبقى مع ذلك ضرورة أكيدة لوعي المثل، معرفة الاستفادة من روحه ومنهجيته على وجه صحيح، وذاك قد يكون كافيا- على ما يبدو- للإعانة على تحقيق تحول مهم في الواقع النضالي الذي تعيشه شعوب المستعمرات البرتغالية وغيرها، على أن الأهمية التي يكتسبها الاستقلال الجزائري لا تنحصر فقط في إعطاء الأمثلة المنهجية والاستحثاث على تطبيق مدلولاتها بصورة من الصور، أن هناك من جانب آخر إمكانية لتأكيد بان قيام الدولة الجزائرية من شأنه أن يحدث انعكاسات أخرى على مجموع الصعيد العربي والإفريقي تتجاوز في مداها النطاق النظري، ويمكن أن تسفر عن نوع من النتائج لها أهميتها على الصعيد الواقعي العملين فقد كان النظام التوسعي البرتغالي والأوضاع العنصرية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت