فهرس الكتاب

الصفحة 4386 من 5287

الناشزة التي تسود جنوب إفريقيا، كان القوامون على هذه الأنظمة يعتمدون كثيرا- من الناحية السيكولوجية والسياسية والدولية- على ما لهم من أوجه التشارك والتماثل مع الوجود الامبريالي في الجزائر، وكان لهم من ذلك- في بعض الحالات- أساس يرتبطون- في نطاقه- بنوع من التحالف غير المباشر يمتن وشائجهم في المواقف والقضايا، ويلحم بين وجهات نظرهم وأنواع سلوكهم سواء على صعيد الأمم المتحدة أو غيرها، وكانت حالات التصويت في المنتظم العام تعكس مظاهر غريبة من التساند في الحال والمصير بين مندوبي البيض الساندين في بعض أقطار إفريقيا وبين مندوب إحدى الدول الكبرى التي ترتبط بالواقع الاستعماري القائم آنذاك في الجزائر، بل إن أورد العنصرية في إفريقيا- ما فتئوا - منذ بعيد- يمدون في حبل الوسائل المؤدية إلى إقرار حالات من التضامن الفعلي يستهدف تحديد النطاق حول الحركات التحررية في القارة ابتداء من جنوب إفريقيا إلى شواطئ الجزائر، ومن صور التشابك المعقد في هذا الصدد: ما يلاحظ على سياسة الحكم القائم ف (روديسيا) من تلاحم مع اتجاهات الأحوال في (كاطانغا) و (انكولا) و (اتحاد الجنوب الإفريقي) وما يستبان في إطار ذلك من تنقلات كان يقوم بها الغلاة وقادة المنظمات المتطرفة بين الجزائر وكاطانكا عبر اتحاد روديسيا وبمباركة مطلقة من المسؤولين العنصرين في (بريطانيا) وغير ذلك، فهناك في قلب القارة الإفريقية حلقة توسعية عنصرية تمتد زعانفها عبر الشمال والجنوب وتتسم بنوع من الخطورة لا يدانى، وكان من المفروض أن تكون الجزائر معبرا رئيسيا لها إلى مجالات العمل والنشاط في أوربا، وباتصال مع كافة المنظمات المتطرفة في القارة البيضاء، وقد برهنت كثير من البوادر والإرهاصات، بل أكدت ذلك بعض الوثائق المعتمدة أن الصهيونية الإسرائيلية كان لها أيضا تداخلات دقيقة مع الضالعين في أحكام هذه السياسية وتوجيه دفتها، وعلى الرغم من أن السياسة الإسرائيلية تستهدف في الدرجة الأولى تحقيق اكبر قدر من التوسع التجاري و (النفوذ) في مختلف أنحاء القارة الأمر الذي لا يسمح لها بكشف كافة اتصالاتها مع العنصرية البيضاء .. على الرغم من ذلك فان إسرائيل لم تكن على نفس الدرجة من التحفظ بالنسبة لموقفها من متطرفي الجزائر الذين ترتبط وشائجهم فعلا بالغلاة في أواسط إفريقيا ارتباطا قويا ومتينا، وعلى ضوء هذه القضايا التي لا تزال إفريقيا السوداء تعيش بعض فصولها المعقدة الغامضة، يمكننا أن نضع استقلال الجزائر في إطاره القاري والدولي الواسع، هذا الإطار الذي نستطيع أن ندرك في دائرته قيمة المضمون العربي والإفريقي بل والإسلامي الذي يكتسيه الاستقلال الجزائري، ومدى الانعكاسات التي من اللازم أن تكون له في آفاق القارة وما وراءها عبر كل ذلك، وعلى هذا الأساس فالملاحظ أن الشمال الإفريقي- على امتداد الشاطئ المتوسطي الجنوبي قد أصبح بعد استقلال الجزائر- تظله وضعية عربية مشتركة أن كان لها من مفهوم دولي أساسي فهو مناواتها- في الدرجة الأولى- للاتجاهات التوسعية والأوضاع التمييزية في قلب القارة الإفريقية، وفي مستطاع الشاطئ العربي الإفريقي بالنتيجة لكل 1ذلك ان يشع على إفريقيا كثيرا من مظاهر المؤازرة النضالية التي يوجد (الكونغو) كأبرز مثال لها من خلال تطور الأحداث في ربوعه طيلة الشهور الكثيرة الماضية، كما أن انغلاق هذا الشاطئ أمام المتطرفين العنصريين إفريقيا- وقد كانت الجزائر احد من افدهم الرئيسية أن انغلاق هذا الشاطئ من شأنه أن يضع هؤلاء المتطرفين أمام نوع من العزلة السيكولوجية والسياسية ذات أهمية نسبية لا تنكر، لكن أهم من ذلك هو ما يمكن أن يكونوا قد فقدوه بسبب استقلال الجزائر من مزيد حرص السياسة الفرنسية سابقا على مؤازرتهم، واضطرارها إلى احتضان بعض اتجاهاتهم الخطة والسلوك والسير.

وليس من المعقول- بحق- أن نستشرف على أساس ذلك- أي انقلاب مسرحي مفاجئ على صعيد السياسة الفرنسية نحو إفريقيا البرتغالية والجنوبية وان ننتظر نوعا من الترابط بين باريس وتيارات الاتجاه التحرري في القارة على شكل أو آخر فالاعتبارات (الأطلسية) لها فعلا وزنها المهم في هذا المجال، كما أن البعض من المؤثرات السيكولوجية وحتى المصلحية- في دائرة معينة- لا يجوز أن تبيح- بالضرورة- حدوث مثل هذا الانقلاب أو تحتم وجوده على الأقل بصورة فعالة، إلا انه من الجائز مع ذلك الاعتقاد بان نسبة الحماس التي كانت تحدو كثير من المسؤولين الفرنسيين في هذا السبيل لابد أن يحدث عليها- بعد استقلال الجزائر- ما يخفف من حدة حرارتها إلى درجة محسوسة، خاصة وان السياسة الفرنسية- كما تنم عنه بعض آفاقها العامة الحاضرة تكاد تكون شديدة الكلف باستعادة صلاتها الإفريقية السابقة على أساس جديد يتميز بايجابيته وتطويراته وهناك من الملاحظات العامة ما يوحي بان هذه السياسة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت