فهرس الكتاب

الصفحة 4387 من 5287

قد تتبنى فعلا بعض الاتجاهات العملية في هذا السبيل، وان كان ذلك لا يعدو لحد الآن نطاقا ضيقا ومحدود الأبعاد بدرجة بالغة.

على أن هناك عاملا جديدا من شأنه أن يحدو بالحكومة الفرنسية إلى انتهاج سبيل أكثر وضوحا في هذا الميدان، ويضطرها في الأمد البعيد إلى «مسايرة» خطوات التحرر الإفريقي ولو بصورة ثانوية بسيطة وذلك كله على ضوء الاستنتاجات التي يمكن أن نستخلصها من استقلال الجزائر، والعالم الجديد هذا يتمثل في تطورات السياسة الأمريكية بإفريقيا، والتزامها على عهد الحكم الديمقراطي الحاضر- نهجا خاصا يتسم ببعض المرونة وشدة الحساسية إزاء الأوضاع الإفريقية، ومما لا ريب فيه أن انتهاء المعارك بالجزائر وقيام الدولة الجزائرية من شأنه أن يفتتح آفاق أخرى للاهتمام الأمريكي بالشؤون الإفريقية على وجه عام، فاستتمام الوجود العربي كمال استقلاله في القارة واتجاه دول المغرب العربي إلى تحقيق مزيد من لارتباط الايجابي بالمشاكل والقضايا الإفريقية، كل ذلك لابد أن يشكل- بالنسبة للسياسة الأمريكية- عاملا مثيرا من الطبيعي أن تستجيب لطبيعة إثارته، وذلك ببذل مزيد من حيث الجانب الاقتصادي والفني، وما هون نوع ذلكن وليس مفهوم هذا أننا نستمرئ بقاء القارة غفي حالة عوز واضطرار دائم إلى المساعدات الأجنبية، فالواجب بالطبع هو تخطيط آفاق المستقبل على أساس الاستغناء عن هذه المساعدات، والانطلاق من نقطة العمل على تشييد بناء اقتصادي سليم ومتوازن ومتطور.

إنما الذي يهم في هذا المقام هو تسجيل هذه الظواهر من النشاط الدولي في أرجاء إفريقيا .. هذه الظواهر التي من الطبيعي أن تزداد سعة وتكاثر بعد تطور الأحوال الناشئة عن استقلال الجزائر، وانفتاح آفاق جديدة للتفاعل الدولي على صعيد القارة، والملحوظ في هذا العدد أن تطورات التفاعل الدولي هذه تسير فعلا في طريق الامتداد والتوسع بصورة دائمة، وتتناول في نقطاها قضايا الصراع المباشر أو غير المباشر حول السوق الأوربية المشتركة وظواهر التوتر النفساني الناشئ عن عواقب الاتجاه إلى الوحدة السياسية والاقتصادي في أوربا خارج نطاق العائلة الأطلسية إلى غير ذلك، وليس يعنينا- بالطبع- مصير هذه الظواهر واتجاهاتها داخل النطاق الأوربي الأمريكي، إنما الذي يثير الاهتمام بصورة أساسية هو اتجاهات الأحوال الإفريقية داخل القارة ذاتها، ومدى الارتباط الموجود بين هذه الأحوال من جهة وبين مستقبل الفكرة التحررية الإفريقية من جهة أخرى، والمهم- في هذا الصدد- هو ان ظهور القوى التحررية الجديدة التي لاشك أن استقلال الجزائر قدساهم في تعزيزها وتمتينها على أوسع نطاق ممكن- إن ظهور هذه القوى من شأنه أن يساهم- كما فعل من قبل- في إعطاء الوجود العربي الإفريقي مضمونا حيا ومنتجا وفعالا، وقد كان مؤتمر البيضاء الأساس الأقوى لتجسيم هذا المضمون، وإعطائه صبغة ايجابية ملحوظة، وذلك نتيجة للأحوال المنبثقة عن هذا المؤتمر في مختلف الميادين اقتصادية وسياسية ودولية وإنسانية، والذي يبدو واضحا الآن إن ميثاق الدار البيضاء سيتوافر أمامه- بعد استقلال الجزائر- مزيد من الفرص لتدليل عدد من أوجه الخلاف التي كانت تواجهه ببعض الدلو المنتسبة إلى الكتلة الإفريقية المدغشقرية، وليس من شك في أن من أهم نقط الاختلاف التي كانت موجودة من قبل: الأحوال التي كانت تسود الكونغو بعد إعلان استقلاله، ومناهج الحل المفترضة لها على هذا الشكل أو ذاك، ثم قضية الجزائر التي كانت تبدو في مفهومنا جميعا باعتبارها قضية نضال نوري تحرري، وكانت تتمثل في أذهان هؤلاء الآخرين بحسبانها مجرد أزمة ثقة وتفاهم وقلة استعداد للتعاون، وكم كان هناك من ذيول لهذا الاختلاف في المفهوم السياسي والقانوني والإنساني للمشكلتين الجزائرية والكونغولية، والذيول هذه قد امتدت في وقت من الأوقات عبر آفاق التقارب الإفريقي، مطوقة سبيل هذا التقارب بحسب جد داكنة، ومسفرة في الأهم الغالب عن مجموعة من الحقائق التي يلوح انه لا يوجد احد على استعداد للترحيب بها كما يجب أن يكون الترحيب، غير أن الذي يبدو واضحا الآن انم حل المشكلة الماثلة في الجزائر- بالإضافة إلى اتجاه الأوضاع في الكونغو نحو صورة من التكور البناء- كل هذا يجب أن يؤدي في الأحوال العادية إلى مراجعة المواقف المتخذة من قبل، ومحالة النفوذ من خلالها إلى سبيل آخر أكثر تلاؤما مع تطورات الأحوال الجديدة في القارة، وأعمق استجابة لمقتضيات هذا التطور بكل ما بنم عنه من اتجاه إلى التحرر المطلق في ظل من البناء والانتعاش والنهوض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت